القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر المواضيع

عبد القاهر الجرجاني : نظرية النظم وعلاقتها باللفظ والمعنى


 

عبد القاهر الجرجاني : نظرية النظم وعلاقتها باللفظ والمعنى


لقد اهتم عبد القاهر الجرجاني بنظرية النظم القائمة على حسن الصياغة و توخي معاني النحو، و التي تنظر إلى العلاقة التي تنشأ بين اللفظ و المعنى من وجهة لغوية دقيقة نتيجة التحامهما و شدة ارتباطهما. حيث  نظر إليهما نظرة المتفحّص العارف بمقادير الكلام، لذلك عرف قيمة اللفظ في النظم، و عرف طريقة تصوير المعاني على حقيقتها، ثم جمع بين اللفظ و المعنى، و سوى بين خصائصهما، و رأى اللفظ جسدا و المعنى روحا يعتمد على حسن الصياغة و دقة التصوير التي نضجت في بحوثه..

ـــــ اللفظ و المعنى عند عبد القاهر الجرجاني و نظرية النظم

1- مكانة اللفظ عند عبد القاهر              

 إن نظرية النظم ترفض الفصل بين اللفظ و المعنى، و ذلك بتوضيح طريقة علمية قائمة على الدمج بين كلا المكونين  بقوله: (( الكلم على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ و حده … و ضرب آخر لا تصل أنت منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، و لكن يدلّك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.)) [1]

إذن يمكن القول إن الألفاظ لا تتفاوت من حيث هي ألفظ مجردة، و لا من حيث هي كلم مفرد، و أنها تكون لها المزية في ملاءمة اللفظة لمعنى التي تليها، و هذا ما يجعل اللفظ  فصيحا في موضع و غير فصيح في موضع آخر، و بذلك لا يمكن تعيين ألفاظ بذاتها تكون ذات جمالية في جميع المستويات (( فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع و نراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع و ليس فيها من الفصاحة قليل و لا كثير)). [2]

و لهذا ينكر عبد القاهر الجرجاني أن تكون الفصاحة صفة للفظ من حيث هو لفظ مفرد. بقوله : (( لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب، فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة؛ لأنها لو كانت كذلك لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا، و إذا بطل أن تكون محسوسة وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة، و إذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها النقل دون الحس إلى دلالته على معناه )) [3]  . و نجد أن عبد القاهر وصف بعض الكُتَّاب بالجهلة، لأنهم قالوا بفصاحة اللفظ المفرد. بقوله (( ذلك محال من حيث يعلم كل عاقل أنه لا يكنى على اللفظ، و إنما يكنى بالمعنى على المعنى، و كذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى،  و لكن يستعار المعنى ثم اللفظ يكون تبعا للمعنى)) [4]

أ- شروط استحسان اللفظ

إن اللفظ يستحسن إذا استحق المزية و الشرف، ضمن شروط معلومة داخل التعبير، و أهمها حسن تلاؤم حالات اللفظ مع حالات الألفاظ المجاورة لها في النظم، ثم حسب ترتيب المعاني في النفس، و تناسق دلالتها و تلاقي معانيها على الوجه الذي يرتضيه العقل مع اعتبار حال المنظوم بعضه من بعض. يقول عبد القاهر ((  فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظة، و إذا استحقت المزية و الشرف استحقت ذلك في ذاتها و على انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، و لكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبد )). [5]و لذلك لا بد لكل كلام تحسنه، و لفظ تستجيده:

(( من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة و علة معقولة، و أن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل، و على صحة ما ادعيناه من ذلك دليل، و هو باب من العلم، إذا أنت فتحته أطلعت منه على فوائد جليلة و معاني شريفة، و رأينا له أثرا في الدين عظيما و فائدة جسيمة )). [6] و من أجل هذا يجب أن ينظر إلى اللفظة قبل دخولها في التأليف و قبل أن تصبح جزءا من الصورة التي يكون فيها الكلام إخبارا و أمرا و نهيا أو وصفا (( ذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم، و أن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس )). [7] أي لا نظم في الكلم و لا ترتيب في الكلمات إلا وفقا لما هو عليه المعنى حتى يعلق بعضها ببعض و تبنى إحداها على الأخرى، و تجعل هذه بسبب من تلك.

و يرجع الاستحسان في اللفظ وحده دون اشتراك مزايا المعني فيه، من كون هذا الاستحسان سببا من أسبابه و دواعيه يكاد ألا يعدو نمطا واحدا. و هو أن يكون اللفظ مما تعارف عله الناس في زمانهم و تداولته ألسنتهم، و ألا يكون وحشيا غريبا أو عاميا سخيفا بعيدا عن موضوع اللغة.

ب- صفة الفصاحة

إن صفة الفصاحة بالنسبة إلى اللفظ  صفة مكتسبة من المعاني و ذلك عندما تكون اللفظة منظومة داخل نظم التعبير،(( إن الفصاحة تكون في المعنى أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح عائد في الحقيقة إلى معناه.ولوقيل: إنها تكون فيه دون معناه لكان إذا قلنا في اللفظة: إنها فصيحة، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال، ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، و نراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع و ليس فيها من الفصاحة قليل و لا كثير، وإنما كان كذلك لأن المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من بعد أن لا تكون،وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم، وهذا شيء إن أنت طلبته فيها وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما ولم تحدث لها تأليفا طلبت محالا )). [8] ويضيف قائلا (( وجملة الأم،أنا لا نوجب الفصاحة للفظ مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي فيه،ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها،ومعلقا معناها بمعنى ما يليها )). [9]

و مما أخذ على عبد القاهر الجرجاني في قضية اللفظ و المعنى أنه أغفل الجانب الصوتي من اللفظ، و أكد هذه القضية سيد قطب في كتابه( التصوير الفني في القرآن). بقوله:(( و مع أننا نختلف مع عبد القاهر في كثير مما تحويه نظريته هذه بسبب إغفاله التام لقيمة اللفظ أو صوته مفردا أو مجتمعا، و هو ما يخبرنا عنه بالإيقاع الموسيقي، كما يغفل الظلال الفنية في أحيان كثيرة، و لها عندنا قيمة كبرى في العمل الفني، مع هذا فإننا نعجب باستطاعته أن يقرر نظرية هامة كهذه، عليها الطابع العلمي، دون أن يخل بنفاذ حسه الفني في كثير من مواضع الكتابة )). [10]إن اللفظ المفرد لا يكتسب معنى محددا، و لا يفيد فائدة خاصة إلا إذا أدى وظيفة في سياق ما. فالألفاظ تستمد دلالتها من علاقاتها بالكلمات السابقة لها أو اللاحقة بها، و بما يمكن أن تكتسبه في مكانها التي وضعت فيه من إضافات جديدة، ومن ثم كانت الكلمة المفردة مجرد  إشارة إلى الصورة الباردة للشيء، أما الكلمة المستخدمة في سياق فهي شحنة من العواطف الإنسانية و الصور الذهنية و المشاعر الحية إلى جانب ما فيها من معنى عقلي مجرد. [11]

2- مكانة المعاني في النظم

أ- التصوير و توخي معاني النحو

و سبيل المعاني كسبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة و النقش و النحت، و لا معنى للتصوير و النقش و النحت بدون إيحاءات، فالأشكال المنحوتة تعبر عما فيها من لمسات فنية تنبض بالواقعية و الجمال، و كذلك هو حال النظم الذي يتواصفه الفصحاء و البلغاء، يعبر بما فيه من مقومات متكاملة لشدة الصلة بين اللفظ و المعنى و حسن أداء الدلالة، لأنها عملية تمثل وجودا متكاملا بعيدا عن الجزئية. يقول عبد القاهر (( ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة و النقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير و التدبر في أنفس الأصباغ و في مواقعها و مقاديرها و كيفية مزجه له و ترتيبه إياه إلى ما لم يتهدى إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، و صورته أغرب، كذلك حال الشاعر و الشاعر في توخيهما معاني النحو و وجوهه التي علمت أنها محصول النظم )). [12] و من خاصية توخي معاني النحو أن تتخذ أجزاء الكلام في بناء محكم لا اعوجاج فيه، بناء متماسك بجميع صفوفه و أركانه بحيث تبقى النظرة كلية، تجمعه روابط الوحدة العضوية، يبرز فيه التناسق العام بجميع جهاته.

(( و اعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، و يغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتخذ أجزاء الكلام، و يدخل بعضها في بعض، و يشتد ارتباط ثان منها بأول، و أن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، و أن يكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك  ))[13]

فلولا التناسق و الإبداع في الرصف لما كان هناك جمال للمبنى، ولولا حسن الصنعة و الابتكار في المعاني لما كان هناك حسن نظم، فالإعجاب للمشهد الكلي قادم من مقوماته المتممة لبعضها البعض. ذلك هو حال النظم في شكله و مضمونه و في إطاره العام.(( و اعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه الحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق و ينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين… و منه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، و يأتيك منه ما يلائم العين غرابة حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفصل، و موضعه من الحذف، و تشهد له بفضل المنة و طول الباع )). [14]

ج- قانون يجمع بين اللفظ و المعنى

يضع عبد القهر الجرجاني قانونا لهذا النظم الجامع للفظ و المعنى؛ ليهتدي به كل من طلب النظم السليم و التعبير الراقي، لإيمانه الشديد بأهمية ارتباط الفكر باللغة، و متانة التحام اللفظ بالمعنى داخل نظم الكلام، و أن المعاني هي الأصل في تفكير عبد القاهر     و نظمه ، بقوله :(( و ذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا أن تتغير المعاني، و الألفاظ بحالها لم تزل على ترتيبها، فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ و تزول عن أماكنها، علمنا أن الألفاظ هي التابعة  و المعاني هي المتبوعة )) [15]


3- المعاني هي الأصل في التعبير


(( إن غاية ما يسعى إليه عبد القاهر من نظريته هو الوصول بتعبيراتنا اللغوية إلى مستوى رفيع؛ ليأتي التعبير عن المعاني مساوي الحقيقة الراسخة في نفس السامع و القارئ و المتكلم، دون زيادة أو نقصان، ودون حاجة إلى اجتهاد في تأويل أو تفسير، بل يجب أن تأتي صور الكلام مساوية المعاني صورة بصورة، حسا وحركة  و حيوية و لونا و مفهوما دون ملابسة )) [16] .و يبدي عبد القاهر رأيه في هذه المزية اللغوية بقوله:((  واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنتَ النظرَ فيما ذكرتُ لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة،من غير أن تُغيّر من لفظه شيئا. أو تُحوّلَ كلمة عن مكانها إلى مكان آخر،وهو الذي وسع مجال التأويل  و التفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، و يفسرون البيت الواحد عدة تفاسير، وهو على ذلك الطريق المذلة التي ورط كثيرا من الناس في الهلكة، وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا العلم، و ينكشف معه عوار الجاهل به )) [17]

(( وأي تبدل في التفكير يجب أن يتبعه تبديل في الكلام زيادة أو أكثر، و أي اضطراب في الفكر يتبعه اضطراب في تركيب الكلام، و يبدل من صورة حقيقة المعاني، فتبديل المعاني من موضع إلى آخر ومن مجال على مجال يتبعه لا محالة تبدل بالألفاظ؛ لأن الألفاظ تتبع المعاني في كل تغير كبير أو صغير)) [18]. فالألفاظ إذن أرضية للمعاني و أوان لها توضع فيها و تنتقل بها من موضع إلى آخر، فالتلازم و التلاحم بينهما شيء حتمي، كما هو الأمر في حالة السوائل الموضوعة في الأواني المستطرقة، إلا أن المعاني بالنسبة إلى الألفاظ تكون أشد التحاما من التحام السوائل في أوانيها.

لم يعد هناك شك في أن المعاني هي الأصل عند عبد القاهر في كل عملية نظم، والألفاظ تتبع المعاني، لأن الألفاظ صورة صوتية تحمل المعاني و رموز تحركها داخل الذهن،من أجل هذا ظنها البعض أنها الأصل في عملية التعبير،فالألفاظ المسموعة و الموجهة نحو المخاطب تحمل في طياتها المعني المطلوب إيصالها إلى السامع، فتحل في نفسه و فكره بعد سماعه للألفاظ.وأن هذه الألفاظ كانت مرتبة في نفس المتكلم حسب المعاني المرتبة في ذاته وذهنه،وفق الارتباط المتين بين اللغة والفكر.ويقول عبد القاهر:(( فإن قيل: النظم موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعمه في المعاني ما لم تنظم الألفاظ و لم ترتبها على الوجه الخاص، قبل… أن تنظر،أن تفكر،أن تتصور،أن تكون مفكرا معتبرا في حال اللفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه أو قبله… واعلم أن ما ترى أنه لا بد منه من ترتيب الألفاظ و تواليها على النظم الخاص ليس هو الذي طلبته بالفكر ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة من حيث إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني؛ فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها. واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم و لا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض و يبنى بعضها على بعض، و تجعل هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل.)) [19]

4- عبد القاهر الجرجاني من أنصار الصياغة

يعتبر عبد القاهر الجرجاني في نظريته اللغوية من أنصار الصلة  واللالتحام بين اللفظ ومعناه وعدم إمكانية الفصل بينهما بفاصل، و أن الصلة وثيقة و قوية بين الفكر واللغة، وأن عملية الفكر اللغوي هذه تتم في آن واحد، فالكاتب حينما يكتب رسالة أو رواية، و الشاعر حين ينظم قصيدة لا يفكر في الألفاظ و لا يطلبها بأي حال من الأحوال، بل يطلب المعنى فتجيء ألفاظه حسبما طلبه من معان، و ذلك يعني أن عملية التفكير بالمعاني سابقة لعملية التفكير باللفظ.

 يقول عبد القاهر في هذا الصدد:(( أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه، و لا تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني، و تعمل الفكرة هناك، فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، و قفوت بها آثارها، و أنك إذا فرغت من عملية ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها ولاحقة بها، والعلم بموقع المعاني في النفس علم بموقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.)) [20]


القيمة العلمية لنظرية النظم

1- التصوير الفني

يعتبر عبد القاهر التصوير الفني في العبارة القرآنية قيمة عظيمة لا تعادلها قيمة في نظم العبارات وتراكيب الكلام، موضحا الوسائل والأساليب التي تجعل الصورة حسنة مقبولة في نظم العبارة اللغوية عند العرب. حيث اهتم بمسألة التصوير الفني اهتمام المبدع و الفنان في الرسم والموسيقى والنحت والصناعة والنقش والنسج والألوان لإدراكه أهمية هذه القضية، بعيدا عن مسايرة السابقين من السلف في تشبيه نظم الكلام بغيره من الفنون. و نتيجة إحساسه المرهف نجده يقارن صياغة الكلام بصياغة المعادن النفيسة،  نسج الكلام بنسج الحرير، وتنظيم النظم بالتصوير المبدع بقوله:(( ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، و أن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سيل الشيء الذي يقع التصوير و الصوغ فيه كالفضة و الذهب يصاغ منها خاتم أو سوار.))[21]

فسبيل المعاني كسبيل الأصبغة والأحجار الملونة التي نعمل منها الصورة والنقش،ولا معنى للنقش والتصوير بدون إيحاءات،و تحسن الصورة بما تملك من مقومات فنية،ويرى النقش بما فيه من إبداع،وجودة صياغة ألوانها وأشكالها من رقة الإحساس بالترابط العضوي بين الألوان والصورة وفيما عبرت عنه لتمثل جميعا، وجودا متكاملا خلقته الألفاظ بانسجامها مع المعاني، لذلك ((ترى الرجل قد اهتدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ و في مواقعها ومقاديرها و كيفية مزجه له وترتيبه إياه إلى ما لم  يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب و صورته أغرب،كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو و وجوهه التي علمت أنها محصول النظم.)) [22] فحسن صياغة الألوان والأصباغ والنقش وحسن إيداعه في أماكنها كحسن استخدام المعاني وإبرازها في نظم في التعبير.

(( وعبد القاهر في تقريره للصورة والتصويرالذي أفاض عنه الكلام قد أبرز قيمة التصويرالفني في نظم العبارة، وأن هذا التصوير يكمن في ترتيب الألفاظ حسب ترتيب المعاني في النفس مع التأليف بينها في صورة مزدهرة للأديب يبتكرها و يقصد إليها و تكبر قيمة التصويرالفني عند عبد القاهر من اهتمامه بالصياغة وبالمعنى،وأن دور الألفاظ في هذا المجال ليست أرضية وألوانا فحسب تكسو المعاني وتلبسها حلة رائعة، بل تمثل الصورة بألوانها و ملامحها التي أرادها صاحب النظم بنظمه.))[23]

(( ويمكن أن نضيف لهذه الظاهرة الفنية ظواهر أخرى أسهمت إلى حد بعيد في إبراز القيمة العلمية لنظرية النظم عند عبد القاهر ، فمن هذه الظواهر، ظاهرة الإيقاع الموسيقي الناشئة من تخير الألفاظ و نظمها في نسق خاص، و هي أوضح ما تكون في الأسلوب القرآني و عميقة كل العمق في بنائه الفني، ثم ظاهرة التناسق الفني في التعبير مع المعاني النحوية و البلاغية، و الفصاحة مع التناسق النفسي في ترتيب المعاني في النفس الإنسانية، و الذي تنبه إليه الكثيرون، ثم تكلم عن التناسق في الانتقال من غرض إلى غرض من أجل الوصول إلى أعلى درجات التناسق الفني المتوافر في آيات القرآن الكريم))[24]

2- القيمة العلمية لمعاني النحو

يقول عبد القاهر: (( و ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه و أصوله، و تعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل عنها بشيء منها.)) [29] و يقصد عبد القاهر من هذه القيم المعاني الإضافية التي يصورها علم النحو دون الهدف إلى موضعة الفاعل أو المفعول مثلا، إنما الهدف من ذلك الإشارة إلى وجهيهما في نظم صحيح معين، لأن مزية النظم متكاملة تفوق كل المزايا الجمالية، و عبد القاهر باعتباره نحويا بارعا يرفض أن تقتصر مهمة النحو على صحة التركيب من الناحية الإعرابية. [30]

يقول عبد القاهر: (( هذا، و أمر النظم في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلام، و أنك ترتب المعاني أولا في نفسك ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك،   و أنا لو فرضنا أن تخلو الألفاظ من المعاني لم يتصور أن يجب فيها نظم و ترتيب في غاية القوة و الظهور))[31]. ويضيف قائلا:(( و لا يكون الضم ضما و لا الموقع موقعا حتى يكون قد توخى  فيها معاني النحو،وأنك إن عمدت إلى الألفاظ، فجعلت تتبع بعضها من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن صنعت شيئا تدعي به مؤلفا ))[32]

3- قيمة الفصاحة في النظم

إن الفصاحة صفة في اللفظ، صفة تدرك بالسمع، معقولة يدركها الذوق، لكنها صفة مرحلية، نرى اللفظة فصيحة في موضع و غير فصيحة في مواضع أخرى، و هي صفة مكتسبة من المعاني. يقول عبد القاهر: (( لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو أن تكون صفة معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة؛ لأنها لو كانت كذلك لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم في كونه فصيحا.))[33]




الهـوامـش
(1)           نقد النثر، قدامة بن جعفر، ص 30، المكتبة العلمية بيروت.
(2)           النقد المنهجي عند العرب، ص 334-335، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة، القاهرة.
(3)           في الميزان الجديد، محمد منذور، ص 175، ط 3، مكتبة نهضة مصر.
(4)           نظرية المعنى في النقد العربي، مصطفى ناصف، ص 29، دار الأندلس.
(5)           المرجع نفسه، ص 30
(6)           المرجع نفسه، ص 30-31.
(7)           البيان العربي، د. بدوي طبانة، ص 165-166، ط 5 دار العودة، بيروت.
(8)           المرجع نفسه، ص 179.
(9)           المرجع نفسه، ص174.
(10)      المرجع نفسه، ص180
(11)      النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، ص 268، دار الثقافة، بيروت.
(12)      المرجع نفسه، ص 277.
(13)      المرجع نفسه، ص 291.
(14)      عبد القاهر الجرجاني، أحمد أحمد بدوي، ص 101، سلسلة أعلام العرب.
(15)      البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، ص 160، دار المعارف، ط.8.
(16)      تاريخ النقد الأدبي، د.إحسان عباس، ص 429، دار الثقافة، بيروت، لبنان.
(17)      النقد الأدبي أصوله ومناهجه، سيد قطب، ص 126، دار الشروق 1983.
(18)      المرجع نفسه، ص 127.
(19)      المرجع نفسه، ص 128.
(20)      قضايا النقد الأدبي بين القديم و الحديث د. محمد زكي العشماوي، ص305، دار النهضة المصرية بيروت 1984.
(21)      المرجع نفسه، ص 305، دار النهضة المصرية.بيروت، 1984.
(22)      المرجع نفسه، و الصفحة نفسها.
(23)      اللغة العربية معناها ومبناها، لتمام حسان، ص 18-19، دار الثقافة، الدار البيضاء.
(24)      عبد القاهر الجرجاني:بلاغته ونقده "، د.أحمد مطلوب ص 329، ط، بيروت 1973.
(25)      إحياء النحو، إبراهيم مصطفى، ص 16 مطبعة لجنة التأليف و الترجمة والنشر، سنة 1938.
(26)      المرجع السابق، صفحة 19 و 20.
(27)      المرجع السابق، ص 20.
(28)      عبد القاهر الجرجاني و البلاغة العربية، محمد عبد المنعم خفاجي، صفحة 17-34، المطبعة المنيرة ط 1 سنة 1952.
(29)      المرجع نفسه صفحة 40.
(30)      المرجع نفسه صفحة 138.
(31)      نظرية عبد القاهر في النظم، درويش الجندي صفحة 11 مكتبة نهضة مصر بالفوجانا 1960.
(32)      المذاهب النقدية، ماهر حسن فهمي مكتبة النهضة العربية القاهرة 1962.
(33)      من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، محمد خلف الله صفحة 42-43 معهد البحوث والدراسات العربية القاهرة 1970.


 


تعليقات