القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر المواضيع

المقامات في الأدب العربي المفهوم و النشأة : مقامات بديع الزمان الهمذاني و الحريري

 





المقامات في الأدب العربي المفهوم و النشأة 

 مقامات بديع الزمان الهمذاني و الحريري


تقديم 

شهد النثر العربي منذ أقدم العصور إلی يومنا هذا تقلبات کثيرة تجلت في مختلف الأساليب والفنون وخلف نتاجات أدبية قيمة، إلا أن من يتتبع نتاجات الأقدمين ومؤلفاتهم نظما ونثرا يری أنهم عنوا بالفنون الشعرية المختلفة عناية خاصة في نتاجاتهم التي تتناول التراث الشعري بين الشرح تارة والنقد تارة أخری. وخير دليل علی هذا الرأي هوالکتب المصنفة في مجال الشعر تحت العناوين المختلفة کـ" نقد الشعر"

وصلت الحياة الفكرية في العصر العباسي إلى ذروة التطور والازدهار، ولاسيما في العلوم والآداب.. وقد عرف العصر حركات ثقافية مهمة وتيارات فكرية بفضل التدخل بين الأمم.. وكان لنقل التراث اليوناني والفارسي والهندي، وتشجيع الخلفاء والأمراء والولاة، وإقبال العرب على الثقافات المتنوعة، أبعد الأثر في جعل الزمن العباسي عصراً ذهبياً في الحياة الفكرية.. ونحاول فيما يأتي التعرف إلى الإنتاج الأدبي، شعره نثره، على اختلاف فنونه، وما لحقه من خصائص وتطورات. في العصر العباسي كانت العربية قد أصبحت اللغة الرسمية في البلدان الخاضعة لسيطرة المسلمين، وكانت لغة العلم والأدب والفلسفة والدين لدى جميع الشعوب. وقد كتب النتاج بمجمله في اللغة العربية مع أن قسماً كبيراً من أصحابه ليسوا من العرب!!

 وقد غلب الطابع العربي على الأعاجم الذين نظموا وكتبوا بالعربية، فتأثروا بالاتجاهات الأدبية العربية وانحصر تجديدهم ضمن القوالب التقليدية فالعصر العباسي حمل الأدب كثيراً من التجديد، ولكن ضمن الأطر التقليدية.

 

نشأة المقامات و مفهومها

لم يكن العرب منذ أقد العصور إلا كغيرهم من الأمم يرددون الحكايات ويتمتعون في مجالسهم بسماعها ولا شك أن القصص تصور العادات والتقاليد والآراء والمعتقدات الذين يقصون تلك القصص أو الذين يحكونها ناهيك عما يعتريها من دقائق خاصة قلما توجد في باقي الأنواع الأدبية

ظهر في القرن الرابع الهجري نوع أدبي جديد يدعي المقامات لم يكن القول أن جوهرها تلك القصص أو الحكايات إلا أن مبدعيها تعمدوا التصنيع والتأنق بها وهذه المقامات تضم الحكايات والنوادر والمطيبات بينما لا تخلو من جوانب تاريخية وحكمية وأدبية.

 

وللمقامة عدة تعريفات و هي :

المقامات لغة: هي المجلس، والمقامة في الأدب: هي قصة تدور حوادثها في مجلس واحد.

و تعرف المقامة بأنها القصة أو الحكاية وتعد من أقدم الأنواع الأدبية التي ربما سبقت الشعر وتحتل مكانا واسعا بين آداب الشعوب.

 

و يعرف القلقشندي المقامة: بأنها في الأصل اسم المجلس والجماعة من الناس وسميت الأحدوثة من الكلام مقامة، لأنها تذكر في مجلس واحد يجتمع فيها الجماعة من الناس لسماعها.

تعريف المقامة اصطلاحا: تدل كلمة مقامة واحدة المقامات في الاستعمال العربي القديم على موضع القيام فهي ( مَفْعَلة ) من القيام يقال مقال مقام ومقامة كمكان ومكانة وهما في الأصل اسمان لموضع القيام وتوسع العرب في استعمال كلمة مقامة حتى استعملت استعمال المكان والمجلس.

 

و تعد المقامات إحدى الفنون النثرية التي يبالغ فيها الاهتمام باللفظ والأناقة اللغوية وحمل الأسلوب بحيث تتعدى الشعر في احتوائها على المحسنات اللفظية إلا أنها لم تحظى باهتمام الأدباء والنقاد وهذا لا يعنى أنهم أهملوا هذا الفن كليا بل المقصود هو أن النثر بشكل عام والمقامات على وجه الخصوص نالا اقل اهتمام بالمقارنة إلى ما ناله الشعر العربي من علو في الشأن.

 

و فن المقامات فن اشتهر به الأدباء العرب قديما ولكن لم يبقى هذا الفن لزمن طويل ويعتبر هذا الفن موسيقى العرب الكلاسيكية ويقترن بالغوص في عالم المقامات الشرقية وفي سلالمها الساحرة من خلال لحظات موسيقية يستخرج فيها الفنان ثمار إبداعه ملتزما بالأداء الفردي مرتجلا ذروة انفعاله الشعوري والنغمي باحثا عن روح المقام مثيرا في وجدان المستمع نشوة الطرب.

 

عناصر المقامة الأدبية:

 

1- الراوي: ينقلها عن مجلس تحدث فيه.

2- مكدي ( البطل ): تدور القصة حوله وتنتهي بانتصاره في كل مرة.

3- العقدة ( نكتة ): تحاك حولها المقامة وقد تكون هذه العقدة بعيدة عن الأخلاق الكريمة وأحيانا تكون سمحة.

 وتبنى المقامة على الإغراق في الصناعة اللفظية خاصة والصناعة المعنوية عامة والمقامة الفنية أو البديعية، كما اجمع النقاد على تعريفها اقرب ما تكون لقصة قصيرة مسجوعة بطلها نموذج إنساني مكد ومتسول والمقامة راو وبطل وهي تقوم على حدث طريف مغزاه مفارقة أدبية أو مسألة دينية أو مغامرة مضحكة تحمل في داخلها لونا من ألوان النقد أو الثورة أو السخرية وضعت في إطار من الصنعة اللفظية والبلاغية و بالرغم من التسول من أهم الموضوعات المقامة إلا أنها ليست الموضوع الرئيسي لها وأن كانت صنعة ملازمة للبطل فقد عالجت المقامة موضوعات شتى مثل النقد بأنواعه المختلفة الأدبي والمذهبي والاجتماعي وفيها التعليم اللغوي والأسلوبي والإرشاد والحيلة والأدب والألغاز .

 و تنبع أهمية فن المقامة في مجال الأدب المقارن فقد قلدها بعض الكتاب الفرس كما يعتقد أنها أسهمت في ظهور روية المكديين التي ظهرت في اسبانيا في القرن السادس عشر الميلادي ثم شاعت في أوروبا لتصبح مقدمة لظهور الرواية النثرية.

 

أشهر رواد المقامات

 

لا اختلاف على نشأة المقامات الأدبية أنها مشرقية أما الذي لا اتفاق عليه فهو زمن هذه النشأة وصاحب الفضل فيها، فمهما يكن من شأن الاختلاف حول منشأ المقامات فإنه يدور حول ثلاثة أسماء كبيرة في تاريخ تراثنا الأدبي والفكري عاش أصحابها بين القرنيين الثالث والرابع الهجري وهم بديع الزمان الهمذاني وابن دريد وابن فارس.

كان بديع الزمان الهمذاني ( 357 – 398 ) هـ، وأبو القاسم الحريري ( 446 – 515 ) هـ من أبرز كتاب المقامات في العصر العباسي وتتناول السطور القادمة أهم السمات الأدبية لدى الأديبين:

لقد كان بديع الزمان أول من أطلق اسم المقامات على العمل الأدبي من إنشائه وقد لاقت مقاماته قبولا في نفوس معاصريه، وأظهر قول القلقشندي: ( واعلم أن أول من فتح باب عمل المقامات علامة الدهر وإمام الأدب البديع الهمذاني ).

 

1- بديع الزمان الهمذاني:

 

تتميز مقامات بديع الزمان الهمذاني بأنها قصيرة على الأغلب وفيها من الفصاحة والسهولة والوضوح إلى جانب الدعابة والمرح والتهكم وبديع الزمان حسن الابتكار قل أن تجد له مقامتين في معنى واحد وهو يجيد في مقاماته السرد والوصف الحسي والتحليل ويحسن دراسة الطبائع وتصوير المعائب وعرض مساوئ المجتمع غير انه لا يقصد إلى إصلاح هذه المساوئ ينصح أو يردع وإنما غايته التهكم بأصحابها واظراف الآخرين بتصويرها واستعراضها وهو كثير الاحتقار للناس.

و أسلوب بديع الزمان في مقاماته خاصة حلو الألفاظ سائغ التركيب جميل الوصف كثير الصناعة المعنوية ( الاستعارات والكنايات والتورايات الخاصة ) من غير تكلف ولا إغراق في السجع.

و المقامات الخمسين التي بدأ بديع الزمان كتابتها منذ عام 375 هـ راوٍ واحد هو عيسى بن هشام وبطل واحد هو أبو الفتح الاسكندري نسبة إلى الإسكندرية التي هي قرب الكوفة على الفرات وهما شخصيتان تاريخيتان، ومن أشهر مقاماته هما: المقامة المضرية والمقامة البشرية.

أما المقامة المضرية فتظهر فيها براعة البديع في الوصف ودقة التصوير على شيء كثير من السخرية وخفة الروح أما المقامة البشرية فهي وفق بها بديع الزمان الاختراع شاعر جاهلي تبناه التاريخ من بعده الا وهو بشر بن عوانة العبدي.

 

إن أول من قام بصياغة هذا النوع الأدبي هو بديع الزمان الهمذاني وهو مبدع المقامات غير إن هناك تباين في الآراء بين النقاد والباحثين في اعتبار الهمذاني مبدع لهذا الفن الأصيل بحيث يعتقد جرجي زيدان إن بديع الزمان اقتبس أسلوب مقاماته من رسائل إمام اللغويين أبي الحسين احمد بن فارس ( 390 ) هـ.

بينما يعتبر الدكتور زكي مبارك مقامات الهمذاني مشتقة من أحاديث بن دريد ( 321 ) هـ ويرى بين مقامات الهمذاني وأحاديث بن دريد مشابهات قوية من حيث الحبكة القصصية واستخدام السجع به.

و ليس هناك أثر عن العرب مقامات سابقة على مقامات الهمذاني فهو من اجل ذلك يعتبر مبدع هذا الفن ولكن هناك من الأدباء كابن عبدربه وابن قتيبة والحصري يفضلون ان يقولوا إن بديع الزمان اشتق فن المقامات من فن قصصي سابق.

و يرى الدكتور زكي مبارك: أن يثبت أن مقامات بديع الزمان مشتقة من أحاديث ابن دريد وأن ابن دريد هذا كان راويا وعالما ولغويا وقد عنا برواية أحاديث من الأغراب وأهل الحضر.

و لا ريب في أن بين أحاديث ابن دريد وبين المقامات شبها قويا من حيث القصص واستخدام السجع ولكن هناك أيضا فروقا كبيرة في الصناعة وفي العقدة وفي وجود بطل المقامات وهو المكدي وفي بناء المقامة على الكدية وعلى الهزأ من عقول الجماعات مع إظهار المقدرة في فنون العلم والأدب آلة ما هنالك من خصائص يتميز بها فن المقامات.

فهذا لا يعني أن بديع الزمان لم يطلع على أحاديث ابن دريد أو على ما روي من قصص وأحاديث ولكن الفرق بين ما روي عن العرب من أحاديث وبين المقامات من حيث الغاية والأسلوب كبير جدا.

و على كل فإن بديع الزمان لم يكن مبدع فن المقامات فإن مقاماته أقدم ما وصل إلينا من هذا الفن الأدبي الرائع ثم تبعه عدد كبير من الكتاب القدامى والمحدثين فكتبوا في هذا الفن من أبرزهم الزمخشري وجلال الدين السيوطي عن المشارقة والسرقسطي من الاندلسي اما المحدثين فأهمهم اليازجي والمويلحي.

فالغرض من المقامة هو التعليم ولهذا سماها بديع الزمان مقامة وليست قصة أو حكاية أما بعض الباحثين يرى أنها نوع من القصص إلا أنها ليست قصة بالمعنى الكامل إلا أنها تشتمل على عناصر قصصية من حيث الحوار والمضمون والتصوير لعناصر الشر والفساد وبالإضافة إلى احتوائها على كلمات لغوية جعلت من المقامة تتجه نحو البلاغة اللفظية إذ أن القصة ليست الأساس وإنما الأساس هو العرض الخارجي والحلية اللفظية لذا فإن بعض الأدباء اخذوا يبتكرون صورا جديدة للتعبير ولكن في حدود وغالبا ما تتصف المقامة بالشحاذة والكدية.

و في الآداب العالمية نجد المقامة مثل مقامة القاضي حميد الدين أبو بكر البلخي باللغة الفارسية وفي أوروبا وجود قصص ممثلات لبعض القصص الاسبانية بطلا واحدا اسمه بيكارون وهو يشبه من بعض الوجود أبو الفتح الاسكندري عند بديع الزمان وأبو زيد السروجي عند الحريري.


2- أبو القاسم الحريري

 

يبدأ الحريري مقاماته بإسناد الكلام إلى روايتها الحرث بن همام ولكنه لا يقتصر كالبديع على قوله حدثنا بل يميل إلى التغيير في بدأ كل مقامه فينتقل بين حدث وروى وحكى وأخبر وقال وكان مكدي بطل مقاماته هو أبو زيد السروجي والحريري في مقاماته أكثر تعلقا بالحواضر من بديع الزمان فما يكاد يخرج إلى البادية إلا في واحدة منها أو اثنين ومقاماته في الغالب أطول من مقامات أستاذه بيد أن طولها لا يعود على اتساع الفن القصصي فيها وإنما على اجتماع خبرين في مقامة واحدة أو على فيض الألفاظ وكثرة المترادفات ومعاقبة الجمل على المعاني أو على الإكثار من الشعر وفيه القصائد التي يشرح بها أو يزيد أحواله ويقص إخباره وللحريري لغة متينة قصيرة الجمل يقطعها تقطيعا موسيقيا فما تتعدى جملته الكلمتين أو الثلاثة فلما زادت بلغت الخمس أو الست وهو في إنشائه بادئ الصنعة ظاهر التكلف يتعمد الغريب ويسرف في استعماله ويفرط في اصطناع المجاز والتزيين حتى تجف عبارته ويمل ماؤها ويعبر مساغها , ومن أراء العلماء أيضا:

يقول بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: ( هذه المقامات آخر ما تفتق عنه العقل العربي، فهي شيء يبهر العيون ويسحر العقول لحظة كالألعاب النارية الجميلة، غير أنها عقيمة عديمة الجدوى كتلك الألعاب سواء بسواء ).

يقول نكلسن: حينما وصف مقامات الحريري قائلا: ( ولا يمكن للأوروبيين ألا يروا القليل من المزايا أو الذوق في الصور اللفظية كالتورية، والتقفية والجناس في أول الكلمة..... تلك التي رصعت بها صفحات ( المقامات ) ترصيعا كثيفا.... ولكن عدم اصطبارنا على مثل هذه الأشياء يجب ألا يعمى بصائرنا عن حقيقة أنها متصلة اتصالا وثيقا بعبقرية اللسان العربي وتقاليده ).


ومن أشهر مؤلفات الحريري:

صحيح أن الحريري اشتهر في عالم الأدب بمقامته ولكنه صاحب تأليف كثير منها:

-        درّة الغواصفي أوهام الخواص

-        ملحة الأعراب في النحو

-        توشيح البيان

-        الرسالة السينية الفرق بين الضاد والظاء

-        صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور

-        الخمسون مقامة التي عملها في بضع سنين

و تأتي أهمية مقامات الحريري أن تلك المقامات تعد غرضا أخلاقيا حيث يصرح إن الجاهل والشرير ربما يلعنان الكتابة ولكن القراء الفطينين يدركون إذا ما وضعوا التحيز جانبا انه نافعا ومفيد كأساطير الحيوانات.

لقد تكاثرت الشروح لأرباب العقول وتسابقت الأدباء الفحول في بيان مقاصد المقامات فنذكر منهم: المطردي، العكبري، الشريشي، الطرائفي، الزبيدي، الطبلي، الناصري، الباجي ، الأنباري، الصقلي وعبداللطيف البغدادي، البيضاوي والرازي، خير الدنيا السياس المدني، السجماس، القزويني، الشافعي المراد آبادي.

حيث ترجمت المقامات لأهميتها الأدبية وصناعتها البلاغية ومواضيعها الإرشادية وقيمتها الفنية ترجمت المقامات إلى اللغات الحية في العالم منها الانجليزية واللاتينية والفارسية والتركية والعبرانية.

وتعد مقامات الحريري آية الفن والأدب وآية الإبداع والسحر في الكلام انه معجزة لعصره والعصور التالية وذلك ليس إلا انه تلميذ من تلامذة القران العظيم يجول في ربوعه حيث شاء يشرب من معينه ويأكل من ثمراته تجري الحكمة من لسانه فأثره باق ما بقي الدهر لم تندرس معالمه على مر الأعوام فهو آية في كل شيء آية في النبوغ والذكاء والفطنة أديب يصوغ الكلام ذهبا ويرصعه بالقران جوهرا بالأمثال والحكم.

إن السجع في المقامات يعطيها متعة بالقراءة وتبعد القارئ عن الملل واشتهر بهذا السجع في أيامنا الشيخ عائض القرني حفظه الله فلا تخلو محاضرة من محاضراته من مقامات أدبية قد تأثر في فن المقامات تأثرا كبيرا فيأت أسلوبا مميزا له في محاضراته وندواته وله كتاب كامل في فن المقامات سماه المقامات شمل كثير من المواضيع الإيمانية والدعوية والعقائدية والعملية في صورة مقامات جميلة وبليغة فكان عمل أدبي بصيغة إسلامية مميزة.

 

تعليقات