القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر المواضيع

المقامات في الأدب العربي مقامات بديع الزمان الهمذاني – الجزء الثاني–

 





المقامات في الأدب العربي مقامات بديع الزمان الهمذاني
 – الجزء الثاني –
 
 
تدور مقامات " بديع الزمان الهمذاني " في معظمها حول موضوع الكُدية أي الاستعطاء، كمعنى أول، والتلطف في سؤال الناس من خلال خطاي لغوي مثير كمعنى ثانِ.
إن هذا الموضوع - بما إنه ليس بطولياً ولا نخبوياً - يعني النزول إلى الشوارع واكتشاف المفارقة بين المستويات والطبقات.
المستعطي كونه في أسفل السلم الاجتماعي هو الأقدر على رؤية مجتمعه واكتشاف ضعفه ونفاقه.
وهكذا فإن البطل الرئيس في مقامات "بديع الزمان الهمذاني " الذي اتخذ الكُدية وسيلة لكسب المال مضطر أن يدخل من فجوات العيوب التي يتميز بها المجتمع الطبقي المتمايز الذي عاش فيه " الهمذاني " نفسه.
ولهذا، فإنني أعتقد أن موضوع الكُدية كموضوع رئيس لهذه المقامات يصبح وسيلة لا هدفاً، وسيلة للكشف والغوص والتعرف والفهم، ومن ثم النقد والتوجيه وحتى السخرية – وهي ليست فكاهة كما يشير كثير من المباحث -.

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الأسدية

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كانَ يَبْلُغُنِي مِنْ مَقَامَاتِ الإِسْكَنْدَريِّ وَمَقَالاتِهِ مَا يَصْغَى إِلَيْهِ النُّفُورُ، وَيَنْتَفِضُ لَهُ العُصْفُورُ، وَيَرْوَي لَنَا مِنْ شِعْرِهِ مَا يَمْتَزِجُ بأَجْزَاءِ النَّفْسِ رقَّةً، وَيَغْمُضُ عَنْ أَوْهَامِ الكَهَنَةِ دِقَةً، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهُ بَقَاءَهُ، حَتْى أُرْزَقَ لِقَاءَهُ، وَأَتَعَجَّبُ مِنْ قُعُودِ هِمَّتِهِ بِحَالَتِهِ، مَعَ حُسْنِ آلَتِهِ، وَقَدْ ضَرَبَ الدَّهْرُ شُؤُونَهَ، بِأَسِدَادِ دُونَهُ، وَهَلَّمَ جَرًّا، إِلَى أَنْ اتَّفَقَتْ لِيَ حَاجَةٌ بِحِمْصَ فَشَحَذْتُ إِليَهَا الحِرصَ، فِي صُحْبَةِ أَفْرِادٍ كَنُجُومِ اللَّيلِ، أَحْلاسٍ لِظُهُورِ الخَيلِ، وَأَخذْنَا الطَرِيقَ نَنْتَهِبُ مَسَافَتَهُ، وَنَسْتَأْصِلُ شأْفَتَهُ، وَلَمْ نَزَلْ نَفْرِي أَسْنِمَةَ النِّجَادِ بِتِلْكَ الْجِيَادِ، حَتَّى صِرْنَ كَالْعِصِيِّ، وَرَجَعْنَ كَالْقِسِيِّ، وَتَاخَ لَنَا وَادٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ ذِي أَلاءٍ وأَثْلٍ، كَالعَذَارَى يُسَّرِحْنَ الضَّفَائِرَ، وَيَنْشُرْنَ الغَدَائِرَ، وَمَالتِ الهَاجِرَةُ بِنَا إِليْهَا، وَنَزَلْنَا نُغَوِّرُ وَنَغُورُ، وَرَبَطْنَا الأَفْرَاسَ بِالأَمْراسِ، وَمِلنَا مَعَ النُّعَاسِ، فَمَا رَاعَنَا إِلاَّ صَهِيلُ الخَيلِ، وَنَظَرتُ إِلى فَرَسِي وَقَدْ أَرْهَفَ أُذَنَيِهِ، وَطَمَحَ بِعَيْنَيهِ، يَجُّذُ قُوَى الحَبْلِ بِمَشَافِرِهِ، وَيَخُدُّ خَدَّ الأَرْضِ بِحَوافرهِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتِ الخَيْلُ فَأَرْسَلَتِ الأَبْوَالَ، وَقَطَّعَتِ الحِبَالَ، وَأَخَذَتْ نَحْوَ الجِبَالِ، وَطَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى سِلاحِهِ؛ فإِذَا السَّبُعُ فِي فَرْوَةِ المَوتِ، قَدْ طَلَعَ مِنْ غَابِهِ، مُنْتَفِخاً فِي إِهَابِهِ، كَاشِراً عَنْ أَنْيَابِهِ، بِطَرْفٍ قَدْ مُلِئَ صَلَفاً، وَأَنْفٍ قَدْ حُشِىَ أَنَفَاً، وَصَدْرٍ لاَ يَبْرَحُهُ القَلْبُ، ولاَ يَسْكُنُهُ الرُّعْبُ، وَقُلْنَا خطْبٌ مُلِمٌ، وَحَادِثٌ مُهِمٌ، وَتَبَادرَ إِلَيِهِ مِنْ سُرْعَانِ الرُّفْقَةِ فَتَىً:
 
أَخْضَرُ الجِلْدَةِ فِي بَيْتِ العَرَبْ **** يَمْلأُ الدَّلْوً إِلَى عَقْدِ الكَـرَبْ
 
بِقَلْبٍ سَاقَهُ قَدْرٌ، وَسَيْفٍ كُلُّهُ أَثْرٌ، وَمَلَكَتْهُ سَوْرَةُ الأَسَدِ فَخَانَتْهُ أَرْضُ قَدَمِهِ، حَتَّى سَقَطَ لِيَدِهِ وَفَمِهِ، وَتَجَاوَزَ الأَسَدُ مَصْرَعَهُ، إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَدَعَا الْحَيْنَ أَخَاهُ، بِمِثْلِ مَا دَعَاهُ، فَصارَ إِلَيْهِ، وَعَقَلَ الرُّعْبُ يَدَيهِ، فَأَخَذَ أَرْضَهُ، وَافْتَرشَ اللَّيثُ صَدْرَهُ، وَلَكِّنْي رَمَيْتُهُ بِعِمَامَتِي، وَشَغلتُ فَمَهُ، حَتَّى حَقَنْتُ دَمَهُ، وَقَامَ الفَتَى فَوَجَأَ بَطْنَهُ، حتَّى هَلَكَ الفَتَى مِنْ خَوْفِهِ، والأَسَدُ لِلْوَجْأَةِ في جَوفِهِ، ونَهَضْنا فِي أَثَرِ الخَيْلِ فَتَأَلَّفْنا مِنْهَا ما ثَبَتَ، وَتَرَكْنَا مَا أَفْلَتَ، َوعُدْنَا إِلى الرَّفِيقِ لِنُجَهِّزَهُ
 
فَلمَّا حَثَونَا التُّرْبَ فَوْقَ رَفِيقَنَا **** جَزِعْنَا وَلَكِنْ أَيُّ سَاعَةِ مَجْزَعِ
 
وَعُدُنَا إِلَى الفَلاةِ، وَهَبَطْنَا أَرْضَهَا، وَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ضَمِرَتِ المَزَادُ، وَنَفِدَ الزَّادُ أَوْ كَادَ يُدْرِكُهُ الْنَّفادُ، وَلَمْ نَمْلِكِ الذَّهَابِ وَلاَ الرُّجُوعَ، وَخِفْنَا القَاتِلِينَ الظَّمَأَ وَالجُوعَ، عَنَّ لَنَا فَارِسٌ فَصَمَدْنَا صَمْدَهُ، وَقَصَدْنَا قَصْدَهُ، وَلَمَّا بَلَغَنَا نَزَلَ عَنْ حُرِّ فَرَسَهَ يَنْقُشُ الأَرْضَ بِشَفَتَيهِ، ويَلْقِي التُّرَابَ بِيَدَيْهِ، وَعَمَدَنْي مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ، فَقَّبَلَ رِكَابِي، وَتَحَّرَمَ بِجَنَابِي، وَنَظَرْتُ فَإِذْا هُوَ وَجْهٌ يَبْرُقُ بَرْقَ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ، وَقَوَامٌ مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّل، وَعَارِضٌ قَدِ اخْضَرَّ، وَشَارِبٌ قَدْ طَرًّ، وَسَاعِدٌ مَلآنٌ، وَقَضِيبٌ رَيَّانُ، ونِجَارٌ تُرْكِيٌ، وَزِيٌ مَلَكِيٌ، فَقُلْنَا: مَالَكَ لاَ أَبَالكَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ بَعْضِ الْمُلوكِ، هَمَّ مِنْ قَتْلي بِهَمٍّ، فَهِمْتُ عَلى وَجْهِي إِلى حَيْثُ تَرانِي، وَشَهِدَتْ شَوَاهِدُ حالهِ، على صِدْقِ مَقَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا اليَومَ عَبْدُكَ، وَمَالِي مَالُكَ، فَقُلْتُ: بُشْرَى لَكَ وَبِكَ، أَدَّاكَ سَيْرُكَ إِلَى فِنَاءٍ رَحْبٍ، وَعَيْشٍ رَطْبٍ، وَهَنْأَتْنِي الْجَمَاعَةُ، وَجَعَلَ ينْظُرُ فَتَقْتُلَنَا أَلْحَاظَهُ، وَيَنْطِقُ فَتَفْتِنٌنَا أَلْفَاظَهُ، فَقَالَ: يَا سَادَةُ إِنَّ فِي سَفْحِ الجَبَلِ عَيْنَاً، وَقَدْ رَكِبْتُمْ فُلاَةً عَوْرَاءَ، فَخُذُوا مِنْ هُنَالِكَ الْمَاءَ، فَلَوَيْنَا الأَعِنَةَ إِلى حَيثُ أشَارَ، وَبَلَغْنَاهُ وَقَدْ صَهَرَتِ الهَاجِرَةُ الأَبْدَانَ، وَرَكِبَ الجَنَادِبُ الْعِيدَانَ، فَقَالَ: أَلاَ تَقِيلُونَ فِي الظِّلِّ الْرَّحْبِ، عَلى هَذا المَاءِ الْعَذْبِ؟ فَقُلْنَا: أَنْتَ وَذَاكَ فَنَزَلَ عَنْ فرَسِهِ، وَحَلَّ مِنْطَقَتَهُ، وَنَحَى قُرْطَقَتَهُ فَمَا اسْتَرَعَنَّا إِلاَّ بِغِلاَلَةٍ تَنِمُّ عَنْ بَدَنِهِ، فَمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ خَاصَمَ الوِلْدَانَ، فَفَارَقَ الْجِنَانَ، وَهَرَبَ مِنْ رِضْوَانٍ، وَعَمَدَ إِلَى السُّرُوجِ فَحَطَّهَا، وإِلَى الأَفْراسِ فَحشَّهَا، وإِلَى الأَمْكِنةِ فَرَشَّهَا، وَقَدْ حَارَتِ الْبَصَائِرُ فِيهِ، وَوَقَفْتِ الأَبْصَارُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى مَا أَلْطَفَكَ فِي الٍخِدْمَةِ، وَأَحْسَنَكَ فِي الجُمْلَةِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ فَارَقْتَهُ، وَطُوبَى لِمَنْ رَافَقْتَهُ، فَكَيِفَ شُكْرُ اللهِ عَلَى الْنِعْمَةَ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا سَتَرُونَهُ مِنِّي أَكْثَرُ، أَتُعْجِبُكُمْ خِفَّتي فِي الخِدْمَةِ، وَحُسْنِيَ فِي الجُمْلَةِ؟ فَكَيِفَ لَوْ رَأَيْتُمُونِي فِي الْرُّفْقًةِ؟ أُرِيكُمْ مِنْ حِذْقِيَ طُرَفَا، لِتَزْدَاُدوا بِي شَغَفَاً؟ فَقٌلْنَا: هَاتِ: فَعَمَدَ إِلَى قَوْسِ أَحَدِنَا فَأَوْتَرَهُ، وَفَوَّقَ سَهْمَاً فَرَمَاهُ فِي السَّماءِ، وَأَتْبَعَهُ بِآخَرَ فَشَقَّهُ في الهَواءِ، وَقَالَ: سَأُرِيكمْ نَوعَاً آخَرَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى كِنَانَتي فَأَخَذَهَا، وإِلَى فَرَسِي فَعَلاهُ، وَرَمَى أَحَدَنا بِسَهْمٍ أَثْبَتَهُ فِي صَدْرِهِ، وَآخَرَ طَيَّرَهُ منْ ظَهْرِهِ، فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: اسْكُتْ يَا لُكَعُ، وَاللهِ لَيَشُدَّنَ كُلٌ مِنْكُمْ يَدَ رَفِيِقِهِ، أَوْ لأُغِصِنَّهُ بِرِيِقهِ، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَصْنَعْ وَأَفْرَاسُنَا مَرْبُوطَةٌ، وَسُروجَنَا مَحْطُوطَةٌ، وَأَسْلِحَتُنْا بَعِيدَةٌ، وَهْوَ رَاكِبٌ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ، وَالقَوْسُ فِي يَدِهِ يَرْشِقُ بِهَا الظُّهُورَ، وَيَمْشُقُ بِهَا الْبُطُونَ والْصُّدُورَ، وَحِينَ رَأَيْنَا الْجِدَّ، أَخَذْنَا الْقِدَّ، فَشَدَّ بَعْضُنَا بَعْضَاً، وَبَقَيْتُ وَحْدِيَ لاَ أَجِدُ مَنْ يَشُدُّ يَدِي، فَقَالَ: اخْرُجْ بإِهَابِكَ، عَنْ ثِيَابِكَ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وِجِعِلِ يِصْفَعُ الواحِدَ مِنَّا بَعْدَ الآخَرِ، وَيَنْزَعُ ثِيَابَهُ وَصَارَ إِلَيَّ وَعَليَّ خُفَّانِ جَدِيدانِ، فَقَالَ: اخْلَعْهُمَا لاَ أُمَّ لَكَ، فَقُلْتُ: هَذا خُفٌ لَبِسْتُهُ رَطْباً فَلَيْسَ يُمْكِنُي نَزْعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ خَلْعُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ:عُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ:
 
رَحِمَ اللهُ مَنْ حَشَـا **** فِي جِرَابِي مَكَارِمَهْ
 
رَحِمَ اللهُ َمـنْ رَنَـا **** لِسَعِيدٍ وَفَاطِـمَـهْ
 
إِنَّـهُ خَـادِمٌ لَـكُـمْ **** وَهْيَ لاَ شَكَّ خَادِمَهْ
 
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ إِنَّ هَذا الرَّجُلَ هُوَ الإِسْكَنْدَرِيُّ الَّذي سَمِعْتُ بِهِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَدَلَفْتُ إَلَيهِ، وَقُلْتُ: احْتَكِمْ حُكْمَكَ فَقَالَ: دِرْهَمٌ، فَقُلْتُ:
 
لَكَ دِرْهَمٌ فِي مِثْـلِـهِ **** مَا دَامَ يُسْعِــدُنِي النَّفَسْ
 
فَاحْسُبْ حِسَابَكَ وَالتَمِس **** كَيْمَا أُنِيلُ الْملْتَـمَـس
 
وَقُلْتُ لَهُ: دِرْهَمٌ فِي اثْنَينِ فِي ثَلاثَةٍ فِي أَرْبَعةٍ فِي خَمْسَةٍ في سِتَّةٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى العِشْرِينَ، ثُمَّ قُلْتُ: كَمْ مَعَكَ؟ قَالَ: عِشْرونَ رَغِيفاً، فَأَمَرْتُ لَهُ بِهَا، وَقُلْتُ: لاَ نَصْرَ مَعَ الخِذَلاَنِ، وَلاَ حِيلَةَ مَعَ الْحِرْمَانِ.
 

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الغيلانية

 
حَدَثَنْي عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِجُرْجَانَ، فِي مُجْتَمَعٍ لنَا نَتَحَدَّثُ، وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجُلُ العَرَبِ حِفْظاُ وَرِوَايةً، وَهَوَ عِصْمَةُ بْنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ، فأَفْضَى بِنَا الكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ حِلْماً، وِمِنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ احْتِقَاراً، حَتَّى ذَكَرْنَا الصَّلَتَانَ الْعَبْدِيَّ وَالبَيِثَ، وَمَا كَانَ مِنْ احْتِقَارِ جَريرٍ وَالفَرَزْدَقِ لَهُمَا، فَقَالَ عِصْمَةُ: سَأُحَدِثَكُم بِمَا شَاهَدَتْهُ عَيْني، وَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ غَيْري، بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي بِلادِ تَمِيمٍ مُرْتَحِلاً نَجِيَبةً، وَقائِداً جَنِيبَةً، عنَّ ليَ رَاكِبٌ عَلىَ أَوْرَقٍ جَعْدِ اللُّغَامِ، فَحَاذَانِي حَتَّى إِذا صَكَّ الشَّبَحُ بِالشَّبَحِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، مَنِ الرَّاكِبُ الجَهيرُ الكَلاَمِ المُحَيِّي بِتَحيَّة الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ: أَنَا غَيْلاَنُ بْنُ عُقْبَةَ، فَقُلتُ: مَرْحَباً بِالكَرِيم حَسَبهُ الشَّهِيرِ نَسَبُهُ، السَّائِرُ مَنْطِقُهُ، فَقَالَ: رَحُبَ وَادِيكَ، وَعَزَّ نَاِديَكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عِصْمةُ بْنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَياَّكَ اللهُ نِعْمَ الصَّدِيقُ، وَالصَاحبُ والرَّفِيقُ، وَسِرْنَا فَلَمَّا هَجَّرْنا قَالَ: أَلاَ نُغَوِّرُ يَاعِصْمةُ فَقَدْ صَهَرَتْنَا الْشَّمْسُ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَمِلْنَا إِلِى شَجراتٍ أَلاَءٍ كَأَنْهُنَّ عَذارَى مُتَبَرِّجاتٌ، قَد نَشَرْنَ غَدائِرَهُنَّ، ِلأثَلاثٍ تُنَاوِحُهُنَّ، فَحَطَطْنَا رِحَالَنَا، وَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ، وَكانَ ذُو الرُّمَةِ زَهِيدَ الأَكلِ، وَصَلَّيْنَا بَعْدُ، وَآلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلى ظِلِّ أَثَلةٍ يُرِيدُ الْقَائِلَةَ، وَاضَطَجَعَ ذُو الرُّمَّةِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ مِثَلَ صَنِيعِهِ، فَوَلَّيْتُ ظَهْرِي الأَرْضَ، وَعَيْنَاي لاَ يَمْلِكُهُمَا غُمْضٌ، فَنَظَرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ قَدْ ضَحِيَتْ وَغَبِيطُهَا مُلْقىً، وَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يَكْلأُهَا كأَنَّهُ عَسِيفٌ أَوْ أَسِيفٌ فَلَهِيتُ عَنْهُمَا، وَما أَنَا وَالسُّؤالَ عَمَّا لاَ يَعْنِينِي؟ وَنَام ذُو الرُّمَّةِ غِرَاراً، ثُمَّ انْتَبَهَ، َوكاَنَ ذلِكَ فِي أَيَّامِ مُهَاجاتِهِ لِذَلكَ الْمُرِّيَّ، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَأَنْشَدَ يَقُولُ:
 
أَمِنْ مَيَّةَ الطُّلَلُ الـدَّارِسُ **** أَلَظَّ بِهِ العَاصِفُ الرَّامِسُ
 
فَلَمْ يَبْقَ إِلاَ شَجِيجُ الْقَـذَالِ **** وَمُسْتَوْقَدٌ مَا لَهُ قَـابِـس
 
وَحَوْضٌ تَثَلَّمَ مِنْ جَانِـبَـيْهِ **** وَمُحْتَفَلٌ دَارِسٌ طامِـسُ
 
وَعَهْدي بِهِ وَبِهِ سَـكْـنُـهُ **** وَمَيَّهُ وَالإِنْـسُ وَالآِنـسُ
 
كَأَنِّي بِمَيَّةَ مُسْـتَـنْـفِـرٌ **** غَزَالاً ترَاءَى لَهُ عَاطِسٌ
 
إِذَا جِئْتُهَا رَدَّنيِ عَـابِـسٌ **** رَقِيبٌ عَلَيْها لَهَا حَـارِسٌ
 
سَتَأْتِي امْرِأَ الْقَيْسِ مَأْثُورَةٌ **** يُغَنِّي بِها العَابِرَ الجَالِـسُ
 
أَلَمْ تَرَ أَنَّ امْرأَ القَيْسِ قَـدْ **** أَلَظَّ بِهِ دَاؤُهُ الـنَّـاجِـسُ
 
هُمُ القَوْمُ لاَ يَأَلَمُونَ الْهِجَاءَ **** وَهَلْ يَأَلَمُ الحَجَرُ الْيَابِـسُ
 
فَمَا لَهُمُ في الْعُلاَ رَاكِـبٌ **** وَلاَ لَهُمُ فِي الوَغَى فَارِسُ
 
مُمَرْطَلةٌ فِي حِياضِ المَلاَمِ **** كَمَا دَعَسَ الاْدَمَ الدَّاعِـسُ
 
إِذَا طَمَحَ النَّاسُ لِلْمَكْرُماتِ **** فَطَرْفُهُمُ المُطْرِقُ النَّاعِسُ
 
تَعَافُ الأَكَارِمُ إِصْهَارَهُـمْ **** فَكًلُّ أَيَامَاهُـمُ عـانِـسُ

فَلَمَّا بَلَغَ هَذا البَيْتَ تَنَبَّهَ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: أَذُو الرُّمَيْمَةِ يَمْنَعُنِي النَّوْمَ بِشِعْر غيْرِ مُثَقّفٍ وَلاَ سَائِر؟ فَقُلْتُ يَا غَيْلاَنُ، مَنْ هَذا؟ فَقَالَ: الْفَرَزْدَقُ، وَحَمِى ذُو الرُّمَّةِ فَقَالَ:

وَأَمَّا مُجاشِـعٌ الأَرْذَلُـونَ **** فلَم يَسْقِ مَنْبِتَهُـمْ رَاجِـسُ
 
سَيَعْقِلَهُمُ عَنْ مَسَاعِي الْكِرَام **** عِقَالٌ، وَيَحْبِسهُمُ حَـابِـسُ
 
فَقُلْتُ: الآنَ يَشْرَقُ فَيَثُورُ، وَيَعُمُّ هذا وَقبِيلَتُهُ بِالهِجَاءِ، فَوَاللهِ مَا زَادَ الفَرَزْدَقُ عَلى أَنْ قَالَ: قُبْحَاً لكَ يا ذَا الرُّمَيْمَةِ! أَتَعْرِضُ لِمِثْلي بِمَقالٍ مُنْتَحَلٍ؟ ثُمَّ عَادَ فِي نَوْمِهِ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً، وَسَارَ ذُو الرُّمَّةِ وَسِرْتُ مَعَهُ، وَإِنِّي لأَرَى فِيهِ انْكِسَاراً حَتَّى افْتَرَقْنَا.
 

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الأذربيجانية

 
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: لَمَّا نَطَّقَنِي الْغِنَى بِفَاضِلِ ذَيْلِهِ، اتُّهِمتُ بِمَالٍ سلَبْتُهُ، أَو كَنْزٍ أَصَبْتُهُ، فَحَفَزَنيِ اللَّيْلُ، وَسَرَتْ بِي الخَيْلُ، وَسَلكتُ فِي هَرَبِي مَسَالِكَ لَمْ يَرُضْهَا السَّيْرُ، وَلاَ اهْتَدَتْ إِلَيْهَا الطَّيْرُ، حَتَّى طَوَيْتُ أَرْضَ الرُّعْبِ وَتَجاوَزْتُ حَدَّهُ، وَصِرْتُ إِلى حِمَى الأَمْنِ َوَوجَدْتُ بَرْدَهُ، وَبَلَغْتُ أَذْرَبِيجَانَ وقَدْ حَفِيَتِ الرَّوَاحِلُ، وأَكَلَتَّهَا المَرَاحِلُ، وَلَمَّا بَلَغْتُهَا:
 
نَزَلْنَا عَلى أَنَّ المُـقَـامَ ثَـلاثَةٌ **** فَطَابَتْ لَنَا حَتَّى أَقَمْنَا بِها شَهْراً

فَبَيْنَا أَنا يَوْماً في بِعْضِ أَسْوَاقِها إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ بِرَكْوَةٍ قَدِ اعْتَضَدَهَا وَعَصاً قَدِ اعْتَمَدَها، وَدنِّيَّةٍ قَدْ تَقَلَّسَهَا، وَفُوطةٍ قدْ تَطَلَّسَهَا، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ يا مُبْدِئَ الأَشْيَاءِ وَمُعيدَهَا، وَمُحْيِيَ الْعِظَامِ وَمُبِيدَها، وَخَالِقَ الْمِصْباحِ وَمُدِيرَهُ، وفالِقَ الإِصْباحِ وَمُنِيرَهُ، وَمُوصِلَ الآلاءِ سابِغَةً إِلَيْنا، وَمُمْسِكَ السَّمَاءِ أَنْ تَقَعَ عَلَيْنَا، وَبَارِئَ النَّسَمِ أَزْواجاً وَجَاعِلَ الشَّمْسِ سِرَاجاً، والسَّمِاءِ سَقْفاً والأَرْضِ فِرَاشاً، وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَناً وَالنَّهَارِ مَعَاشاً، ومُنْشِئَ السَّحَابِ ثِقَالاً، وَمُرْسِلَ الصَّواعِقِ نِكَالاً، وَعَالِمَ ما فَوْقَ النُّجُومِ وما تَحْتَ التُّخُومِ، أَسْأَلَكَ الصَّلاةَ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلينَ، مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّاهِرينَ، وأَنْ تُعِينَني على الغُرْبَةِ أَثْنِي حَبْلَهَا، وَعلى العُسْرَةِ أَعْدُو ظِلَّها، وأَنْ تُسَهِّلَ لِي عَلى يَدَيْ مِنْ فَطَرَتْهُ الفِطْرَةُ، وَأَطْلَعَتْهُ الْطُّهْرَةُ، وَسَعِدَ بالدِّينِ الْمَتِينِ، وَلَمْ يَعْمَ عَنِ الحَقِّ الْمُبِينِ، رَاحِلةً تَطْوِى هَذَا الطَّرِيقَ، وزَاداً يَسَعُنِي والرَّفِيقَ. قَالَ عيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنَاجَيْتُ نَفْسِي بِأَنَّ هذَا الرَّجُلَ أَفْصَحُ مِنْ إِسْكَنْدَرِيِّنَا أَبِي الفَتْحِ، وَالْتَفَتُّ لَفْتَةً فَإِذَا هُوَ واللهِ أَبُو الْفَتْحِ، فَقُلْتُ يَا أَبَا الفَتْحِ بَلَغَ هذِهِ الأَرْضَ كَيْدُكَ، وانْتَهى إِلى هذَا الشِّعْبِ صَيْدُكَ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
 
أِنا جَوَّالةُ الـبِـلا **** دِ وجَوَّابِةُ الأُفُـقْ
أَنَا خُذْرُوَفةُ الزَّمـا **** نِ وَعَمَّارَةُ الطُّرُقْ
لاَ َتلُمْنِي لَكَ الَّرشَا **** دُ عَلَى كُدْيَتي وذُقْ
 

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الجرجانية

 
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:
 
بَيْنمَا نَحْنُ بِجُرجَانَ، فِي مَجْمَعٍ لَنَا نَتَحَدَّثُ وما فينا إِلاَّ مِنَّا، إِذْ وَقَفَ عَليْنَا رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّويلِ المُتَمَدِّدِ، ولا الْقصيرِ المُتَرَدِّدِ، كَثُّ العُثْنُونِ، يَتْلُوهُ صِغَارٌ فِي أَطْمارٍ، فافْتَتَحَ الْكَلامَ بِالسَّلامِ، وَتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، فَوَلاَّنا جميلاً، وأَوْلَيْناهُ جَزيلاً، فَقَالَ: يا قَوْمُ إِنِّي امْرؤٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مِنَ الثُغُورِ الأَمَويَّةِ نَمَتْني سُلَيْمٌ ورَحَّبَتْ بِي عَبْسٌ جُبْتُ الآفاق، وتَقَصَّيْتُ العِرَاقَ، وَجُلْتُ الْبَدْوَ وَالْحَضَرَ، ودَارَيْ رَبِيَعَةَ وَمُضَرَ، ما هُنْتُ، حَيْثُ كُنْتُ، فَلا يُزْرِيَنَّ بِي عِنْدكُمْ ما تَرَوْنَهُ مِن سَمَلي وأَطْماري، فَلَقَدْ كُنَّا وَاللهِ مِنْ أَهْلِ ثَمٍّ وَرَمٍّ، نُرْغِي لَدَى الصَّباحِ ونُثْغِى عِنًدَ الرَّواحِ
 
وفينَا مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُم **** وأَنْدِيَةٌ يَنتَابُها القَوْلُ والفِعْلُ
 
عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رَزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ **** وَعِنْدَ المُقِلَّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ
 
ثُمَّ إِنَّ الدَّهْرَ يا قَوْمُ قَلَبَ لِي مِنْ بَيْنِهمْ ظَهْرَ الْمِجَنَّ، فاعْتَضْتُ بِالنَّوْمِ السَّهَر، وبالإِقامَةِ السَّفَرَ، تَتَرَامى بِي المَرَامي، وتَتَهَادَى بِي المَوَامِي، وَقَلَعَتْنِي حَوَادِثُ الزَّمَنِ قلْعَ الصَّمْغَةِ، فَأُصْبِحُ وأُمْسِي أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ وأَعْرَى مِنْ صَفْحَةِ الْوَليدِ، وأَصْبَحْتُ فَارِغَ الفِناءِ، صَفِرَ الإِنَاءِ، مالِي إِلَّا كَآبَةُ الأَسْفارِ، ومُعَاَقَرَةُ السِّفَارِ، أُعَانِي الفَقْرَ، وأمَاني الْقَفْرَ، فِراشِي الْمَدَرُ، وَوِسَادِي الحَجَرُ
 
بِآمدَ مَرَّةً وَبِـرأْسِ عَـيْنٍ **** وأَحْيَاناً بِمَيّا فَـارِقِـينَـا
 
لَيْلَةً بِالشَّآمِ ثُـمَّـتَ بِـالأهْ **** وَازِ رَحْلِي وَلَيلَةً بِالْعِرَاقِ
 
فَما زَالَتِ النَّوَى تَطْرَحُ بيِ كُلَّ مَطْرَحٍ، حَتَّى وَطِئْتُ بِلادَ الحَجَرِ وَأَحَلَّتنِي بَلَدَ هَمَذَانَ، فَقَبِلَنِي أَحْيَاؤُهَا، وَأَشْرَأَبَّ إِلَىَّ أَحِبَّاؤُهَا، وَلكِنِّي مِلْتُ لإِعْظَمِهشمْ جَفْنَةً، وَأَزْهَدِهِمْ جَفْوةً:
 
لهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَـاعٍ **** إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ الْقِنَاعَا
 
فَوَطَّأَ لِي مَضْجَعاً، وَمَهَّدَ لِي مَهْجَعاً، فَإِنْ وَنَى لِيَ وَنْيةً هَبَّ لِيَ ابْنٌ كأَنَّهُ َسَيْفٌ يَمَانٍ، أَوْ هِلاَلٌ بَدَا فِي غَيْرِ قَتَمانٍ، وَأَوْلاني نِعَماً ضَاقَ عَنْهَا قَدْرِي، وَاتَّسَعَ بِهَا صَدْرِي، أَوَّ لُهَا فَرْشُ الدَّارِ، وَآخِرُها أَلْفُ دِينَارٍ، فَمَا طَيَّرَتْنِي إِلا َّالنِّعَمُ حَيْثُ تَوَالَتْ، وَالدِّيَمُ لَمَّا انْثَالتْ، فَطَلَعْتُ مِنْ هَمَذَانَ طُلُوعَ الشَّارِدِ، وَنَفَرْتُ نِفَارَ الْآبِدِ، أَفْرِي الْمَسَالِكَ، وَأَقْتَفِرُ المَهَالِكَ، وَأَعَانِي الْمَمَالِكَ، عَلَى أَنِّيَ خَلَّفْتُ أُمَّ مّثْوَايَ وَزُغْلوُلاً لِي.
 
كأَنَّهُ ُدْمُـلٌـج مِـنْ فِـضَّةٍ نَـبَـهٌ **** فِي مَلْعَبٍ مِنْ عَذَارَى الحَيِّ مَفْصُومُ
 
وَقَدْ هَبَّتْ بِي إِلَيْكُمْ رِيحُ الاِحْتِيَاجِ، وَنَسِيمُ الإِلْفَاجِ، فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ لِنِقْضٍ مِنَ الأَنْقَاضِ مَهْزُولٍ، هَدَتْهُ الحَاجَةُ، وَكَدَّتْهُ الْفَاقَةُ :

أَخَا سَفَرٍ، جَوَّابَ أَرْضٍ، تَقَاذَفَتْ **** بِهِ فَلَوَاتٌ؛ فَهْوَ أَشْعَثُ أَغْبَـرُ
 
جَعَلَ اللهُ لِلخَيْرِ عَلَيْكُمْ دَلِيلاً، وَلاَ جَعَلَ للِشَّرِّ إِلَيْكُمْ سَبِيلاً. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَقَّتْ وَاللهِ لَهُ الْقُلُوبُ، وَاغْرَوْرَقَتْ لِلُطْفِ كلاَمِهِ العُيُونُ، وَنُلْنَاُه مَا تَاحَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ، وأَعْرَضَ عَنَّا حَامِداً لَنا، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الْفَتْح الإِسْكَنْدَرِيُّ.
 

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الأصفهانية

 
حَدَّثَنا عِيسَى ْبنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِأَصْفَهَانَ، أَعْتَزِمُ المَسِيرَ إِلى الرَّيِّ، فَحَلَلْتُهَا حُلُولَ أَلْفَيِّ، أَتَوَقَّعُ الْقَافِلةَ كُلَّ َلْمَحةٍ، وَأَتَرَقَّبُ الرَّاحِلَةَ كلَّ صّبْحَةٍ، فَلَمَّا حُمَّ مَا تَوَقَّعْتُهُ نُودِيَ لِلصَّلاةِ نِدَاءً سَمِعْتُهُ، وتَعَيَّنَ فَرْضُ الإِجَابَةِ، فَانْسَلَلْتُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابةِ، أَغْتَنِمُ الجَمَاَعةَ أُدْرِكُهَا، وأَخْشَى فَوْتَ القَافِلَةِ أَتْرُكَها، لَكِنِّي اسْتَعَنْتُ بِبَركاتِ الصَّلاةِ، عَلى وَعْثَاءِ الفَلاةِ، فَصِرْتُ إِلَى أَوَّلِ الصَُفُوفِ، وَمَثَلْتُ لِلْوُقُوفِ، وَتَقَدَّمَ الإِمَاُم إِلى المِحْرَابِ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكتَابِ، بِقِراءَةِ حَمْزَةَ، مَدَّةً وَهَمْزَةً، وَبِي الْغَمُّ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ في فَوْتِ القَافِلَةِ، وَالبُعْدِ عَنِ الرَّاحِلَةِ، وَاتْبَعَ الفَاتِحَةَ الوَاقِعَةَ، وَأَنَا أَتَصَلَّى نَارَ الصَّبْرِ وَأَتَصَلَّبُ، وَأَتَقَلَّى عَلى جَمْرِ الغَيْظِ وأَتَقَلَّبُ، َوَلْيَس إِلاَّ السُّكُوتُ وَالصَّبْرُ، أَوِ الكَلاَمُ وَالْقَبْرُ؛ لِمَا عَرَفْتُ مِنْ خُشُونَةِ القَومِ فِي ذَلكَ المَقامِ، أَنْ لَوْ قُطِعًتِ الصَّلاةُ دُونَ السَّلام، فَوَقَفْتُ بِقَدَمِ الضَّرُورَةِ، على تِلْكَ الصُّورَةِ إِلَى انْتِهَاءِ السُّورَةِ، وَقَدْ قَنِطْتُ مِنَ القَافِلَةِ، وَأِيِسْتُ مِنَ الرَّحْلِ وَالرَّاحِلَةِ، ثُمَّ حَنَى قَوْسَهُ لِلْرُّكُوع، بِنَوْعِ مِنَ الخُشُوعِ، وَضَرْبٍ من الخُضُوعِ، لَمْ أَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ وَيَدَهُ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَامَ، حَتَّى مَا شَكَكْتُ أَنَّهُ قَدْ نَامَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَمِيِنِهِ، وَأَكَبَّ لِجَبِيِنهِ، ثُمَّ انْكَبَّ لِوَجْهِهِ، وَرَفَعْتُ رَأَسِي أَنْتَهزُ فُرْصةً، فَلَمْ أَرَ بَيْنَ الصُّفُوفِ فُرْجَةً، فَعُدْتُ إِلَى السُّجُودِ، حَتَّى كبَّر لِلْقُعُودِ، وَقامَ إِلى الرَّكْعةِ الثَّانِيَةِ، فَقَرَأَ الفَاتِحَةَ وَالقَارِعَةَ، قِرَاءَةً اسْتَوْفَى بِها عُمْرَ السَّاعَةِ، وَاستَنْزَفَ أَرْوَاحَ الجَمَاعَةِ، فَلَمَّا فَرِغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلى التَّشَهُّدِ بِلَحْيَيْهِ، وَمَالَ إِلَى التَّحِيَّةِ بِأَخْدَعَيْهِ، وَقُلْتُ: قَدْ سَهَّلَ اللهُ الَمْخرَجَ، وَقَرَّبَ الفَرَجَ، قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُحِبُّ الصَّحَابَةَ والجَمَاعَةَ، فَلْيُعِرْنِي سَمْعَهُ سَاعَةً.
 
قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَزِمْتُ أَرْضِي، صِيِانَةَ لِعَرْضِيَ، فَقَالَ: حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لاَ أَقُولَ غَيْرَ الحَقْ، وَلا أَشْهَدَ إِلاَّ بِالصِّدْقِ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِبِشَاَرةٍ مِنْ نَبِيكُمْ، لكِنِّي لاَ أُؤَدِّيهَا حَتَّى يُطَهِّرَ اللهُ هَذا المَسْجدَ مِنْ كُلِّ نَذْلٍ يَجْحَدُ نُبُوءَتَهُ.
 
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَبَطني بِالْقُيُودِ، وَشَدَّني بِالحِبَالِ السُّودِ، ثُمَّ قَالَ: رأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَنَامِ، كالشَّمْسِ تَحْتَ الغَمامِ، وَالبَدْرِ لَيْلَ التَّمَامِ، يَسِيرُ وَالنُّجُومُ تتَبْعَهُ، ويَسْحَبُ الذَّيْلَ والمَلائِكَةُ تَرْفَعُهُ، ثمَّ علَمَني دُعَاءً أَوْصَانِي أَنْ أُعَلِّمَ ذَلِك أُمَّتَهُ، فَكَتَبْتُهُ عَلَى هذِهِ الأَوْرَاق بِخَلُوقٍ وَمِسْكٍ، وَزَعْفَرَانٍ وَسُكٍ، فَمَنِ اسْتَوْهَبَهُ مِنيِّ وَهَبْتُهُ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ ثَمَنَ القِرْطَاسِ أَخَذْتُهُ.
 
قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَقَدِ انْثِالَتْ عَليهِ الدَّرَاهِمُ حَتَّى حَيَّرَتْهُ، وَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ مُتَعَجِّبَاً مِنْ حِذْقِهِ بِزَرْقِهِ، وَتَمَحُّلِ رِزِقِهِ، وهَمَمْتُ بِمَسْأَلَتِهِ عَنْ حَالِهِ فَأَمْسَكْتُ، وَبِمُكَالَمَتِهِ فَسكَتُّ، وَتَأَمَّلْتُ فَصَاحَتَهُ فِي وَقَاحَتِهِ، وَمَلاحَتَهُ في اسْتِمَاحَتِهِ، وَرَبْطَهُ النَّاسَ بِحيَلتِهِ، وَأَخْذَهُ المَالَ بوَسِيلَتِهِ، وَنَظَرْتُ فإِذَا هُوَ أَبُو الْفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: كَيْفَ اهْتَدَيْتَ إِلَى هذِهِ الحِيلَةِ فَتَبَسَّمَ وأَنْشَأَ يَقُولَ:

النَّاسُ حُمْرٌ فَجَـوِّزْ **** وابْرُزْ عَلَيْهِمْ وبَرِّزْ
 
حَتَّى إِذَا نِلْتُ مِنْهُـمْ **** مَا تَشْتَهِيهِ فَفَرْوِزْ
 

مقامات بديع الزمان الهمذاني - المقامة الأهوازية

 
حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت اسیر فی بلاد الأهواز، في رفقة مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِمْ تَسَهَّلِ، لَيْسَ فِينَا إِلاَّ أَمْرَدُ بكْرُ الآمالِ، أَوْ مُخْتَطُّ حَسَنُ الإِقْبالِ، مَرْجُوُّ الايَّامِ وَاللَّيال، فَأَفَضْنَا فِي العِشْرَةِ كَيْفَ نَضَعُ قَوَاعِدَهَا، وَالأُخُوَّةِ كَيْفَ نُحْكِمُ مَعَاقِدَهَا، وَالسُّرورِ فِي أَيِّ وَقْتٍ نَتَقَاضَاهُ، والشُّرْبِ فِي أَيِّ وَقْتٍ نَتَعاطاهُ، وَالانْسِ كَيْفَ نَتَهَاداهُ، وَفَائِتِ الحَظِّ كَيْفَ نَتَلافَاهُ، وَالشَّرَابِ مِنْ أَيْنَ نُحَصِّلُهُ، وَالمَجْلِسِ كَيْفَ نُزَيُّنُهُ. فَقَالَ أَحَدُنا: عَلَىَّ الْبَيْتُ والنُّزْلُ، وَقالَ آخَرُ: عَلَىَّ الشَّرابُ وَالنَّقْلُ، وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلى المَسيرِ اسْتَقَبَلنَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ فِي يُمْنَاهُ عُكَّازَةٌ، وَعَلى كَتِفَيْهِ جِنَاَزةٌ، فَتَطَيَّرْنَا لَمَّا رَأَيْنَا الجِنَازَةَ وَأَعْرَضْنَا عَنْهَا صَفْحاً، وَطَوَيْنَا دُوَنَها كَشْحاً، فَصَاحَ بِنَا صَيْحَةً كَادَتْ الأَرْضُ لهَا تَنْفَطِرُ، وَالنُّجُومُ تَنْكَدِرُ، وَقَالَ: لَتَروُنَّهَا صُغْراً وَلَتَرْكَبُنَّهَا كَرْهاً وَقَسْراً، مَا لكُمْ تَطَّيَّرونَ مِنْ مَطِّيةٍ رَكِبَهَا أَسْلاَفُكُمْ، وسَيَرْكَبُهَا أَخْلاَفُكُمْ، وَتَتَقَذَّرُونَ سَرِيراً وَطِئَهُ آبَاؤُكُمْ، وَسَيَطؤُهُ أَبْنَاؤُكُمْ، أَمَا واللهِ لَتُحْمَلُنَّ عَلَى هذِهِ العِيدَانِ، إِلَى تِلْكُمُ الدِّيدَانِ، وَلَتُنْقَلُنَّ بِهَذِهِ الجِيَادِ، إِلَى تِلْكُمُ الوِهادِ، وَيْحَكُمْ تَطَيَّرُونَ، كأَنَّكُمْ مُخَيَّرونَ، وَتَتَكَرَّهونَ، كأَنَّكُمْ مُنَزَّهُونَ، هَلْ تَنَفَعُ هَذهِ الطِّيَرَ، يِا فَجَرَةُ؟ .
 
قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَقَدْ نقَضَ مَا كُنَّا عَقَدْنَاهُ، وأَبْطَلَ مَا كُنَّا أَرَدْنَاهُ، فَمِلنَا إِلَيهِ وَقُلنَا لَهُ: مَا أَحْوَجَنَا إِلى وَعْظِكَ، وأَعْشَقَنَا لِلَفْظِكَ، وَلَوْ شِئْتَ لَزِدْتَ قَالَ: إِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوَارِدَ أَنْتمْ وَارِدُوهَا، وَقَدْ سِرْتُمْ إِلَيْهَا عِشْرينَ حِجَةً:
 
وإِنْ امْرأَ قَدْ سَارَ عِشْرِينَ حِجَةً **** إِلى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لِقَـرِيبُ
 
وَمِنْ فَوِقِكُمْ مِنْ يَعْلَمُ أَسْرارَكُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَهَتَكَ أَسْتَارَكُمْ، يُعَامِلِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِحِلمٍ، وَيَقْضِي عَلَيِكُمْ فِي الآخِرَةِ بِعِلمٍ، فَلْيَكُنِ المَوتُ مِنْكُمْ على ذُكْرٍ، لِئَلا تَأَتْوا بِنُكْرٍ، فَإِنَّكُمْ إِذَا اسْتَشْعَرْتُمُوهُ لَمْ تَجْمَحُوا، وَمَتى ذَكَرْتُمُوهُ لَمْ تَمْرَحوا، وإِنْ نَسِيتُمُوهُ فَهْوَ ذَاكِرُكُمْ، وإِنْ نِمْتُمْ عَنْهُ فَهُوَ ثَائِركُمْ، وإِنْ كَرِهْتُمُوهُ فهُوَ زَائِرُكُمْ، قُلْنَا: فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَطْوَلُ مِنْ أَنْ تُحَدَّ، وأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ، قُلْنَا: فَسَانِحُ الوَقْتِ، قَالَ: رَدُّ فَائِتِ العُمْرِ، وَدَفَعُ نَازِلِ الأَمْرِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَلَكِنْ مَا شِئْتَ مِنْ متَاعِ الدُنْيَا وَزُخْرِفِهَا، قَالَ لا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وإِنمَا حَاجَتِي بَعْدَ هَذا أَنْ تَخِدُوا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَعُوا.