القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر المواضيع

الشعر العربي الحديث : مفهوم الإحياء وإرهاصاته في الشرق والغرب


الشعر العربي الحديث
مفهوم الإحياء وإرهاصاته في الشرق والغرب
Modern Arabic poetry: the concept of revival and its precursors in the East and the West


 حملة نابليون بونابرت

 ان عصر الضعف و الانحطاط هو ذلك العصر الذي يمتد من 1258 م الى 1798 م وسمي بهذا الاسم لأنه عرف بتردي الاوضاع الاجتماعية الاقتصادية  السياسية وغيرها ) كما شهد هذا العصر كثرة الخلافات  المذهبية و الشعوبية و كثرة الفتن الدينية مما ساعد على تكالب الدول الأوروبية و هجومات التتار و المغول و الحملات الصليبية فسقطت الدولة في اروبا و تبعتها غرناطة و حلت محلها دويلات صغيرة : الدولة الغزناوية بالجزائر. الدولة الحفصية بتونس و دولة بنو مرين بالمغرب. وقد شهد هذا العصر فترتين من الحكم : عهد حكم المماليك و عهد حكم الاتراك. ينظر شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي(عصرالدول والإمارات...) دار المعارف، ط1، مصر،         د.ت،ص80،99.

كانت حملة نابليون بونابرت سنة 1798 المنعرج المهم الذي فصل بين مرحلة عصر الانحطاط ومرحلة العصر الحديث الذي بدأت بوادره تلوح منذ أن ظهرت كتابات البارودي وأحمد شوقي والأمير عبد القادر ومن عاصرهم. وكان هؤلاء الشعراء يقلدون القدامى في قصائدهم من ناحية الشكل والمضمون. وكان هدفهم أن يعيدوا قطار الأدب إلى سكته بعدما انزاح عنها في عصر الضعف.

 وإذا كان الشعر الحديث يختلف عن القديم في بعض أساليبه ومضامينه، وأحيانا في بنيته الفنية والجمالية كما يشبهه في بعض أغراضه ومواضيعه وإيقاعه فهذا الحكم لا يعد تناقضا؛ لأن الشعر العربي الحديث قبل أن يستوي على عوده مر بمرحلة الإحياء والبعث حيث مثلها في المشرق محمود سامي البارودي، ومثلها في المغرب الأمير عبد القادر كما يقول النقاد والدارسون.

ومن أهم ما اعتمد عليه شعراء الإحياء ما عرف بالمعارضة؛ وهي أن الشاعر يعجب ويفتن بشاعر قديم فينظم قصيدة شعرية على منواله ويقلده في الموضوع والخيال والغرض الشعري وحرف الروي والقافية وغير ذلك. مثل ما فعل البارودي إذ عارض عنترة بن شداد الذي قال في بعض قصيده:


هل غادر الشعراء من متردم **** أم هل عرفت الدار بعد توهم

يا دار عبلة بالجواء تكلمي **** وعمي صباحا دار عبلة واسلمي


وقد عارضه البارودي في عصر النهضة قائلا :


كم غادر الشعراء من متردم **** ولرب  تال بد  شأوى  مقدم


ولاشك أن البارودي ومن حذا حذوه يهدفون إلى إعادة الشعر إلى سالف مجده أي يريدون إحياء التراث، فهو يمثل النموذج الأرقى للإبداع.

وهذه هي أهم مميزات الشعر العربي في فترة حكم الأتراك بالبلاد العربية، فكان جيل النهضة يهدف لإعادة قطار الأدب إلا السكة الصحيحة، وإخراجه من نفقه المظلم.

    ويبدو أن جيل النهضة ممن عاصر البارودي والأمير عبد القادر فتنوا بالأدب القديم وحاولوا إعادة بعثه بنفس المواضيع والأغراض والصور الشعرية ومطالع القصيدة مثل ظاهرة الوقوف على الأطلال واللغة الراقية والنمط العمودي والإيقاع والمحسنات البديعية كالتصريع والجناس والتضاد والمقابلة وغير ذلك.

ومن مظاهر ذلك في الشعر العربي الحديث شعراء تأثروا بالسابقين في كل ما ذكرنا وبالغوا في ذلك لدرجة أننا نقرأ قصائد في بداية النهضة بذهنيات وتفكير القدامى فنجد تغزل عنترة وحكمة زهير وفروسية المتنبي ومديح البوصيري وغير ذلك.

     ولا يستثنى عصر من العصور التي مر بها أدبنا العربي القديم ( الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي ) ففي كل قصيدة نجد شاعرا قد تأثر بشاعر آخر وعارضه ونسج قصيدة على منواله ، فقد نجد وقوف الشاعر الحديث على الأطلال لكن بشيء مختلف قليلا كقول الشاعر محمد العيد في العصر الحديث:


وقفت على تمقاد وقفة جائل **** وطفت بها مسترشدا  بالدلائل

أردد فيها طرف عبرة **** لعلي  أن  أعود  منها  بطائل

رعت دولة الإسلام بالعدل أرضـ **** هم فصار ابن مازيغ أخا لابن وائل


ويبدو أن الشاعر قد تحرر من تلك الأحكام التي ذكرنا قليلا، لكن شعراء المشرق ظلوا يقلدون الشعراء القدامى في كل شيء لدرجة كبيرة جدا.


لقد تميزت الساحة الأدبية والنقدية في هذه الفترة بعشرات الشعراء الذين تأثروا بالتيار الكلاسيكي، وقد ظهر جليا في بناء قصائدهم على مستوى:

ــ اللغة: حيث نجد الألفاظ والعبارات قديمة وتاريخية وقد تحتاج للشرح

ــ الخيال: وهو قديم مستنبط من الشعر القديم في معظمه بما فيه من استعارات وكنايات ومجاز وتشابيه وغير ذلك.

ــ النمط العمودي: وقد خيم هذا الشكل على كل القصائد العربية زمنا طولا ولم يفكر شاعر في تغييره في تلك الفترة الحديثة.

ــ الإيقاع الشعري: وقد حافظ عليه الشعراء وأصبح معيارا لابد منه في نظم الشعر أي القافية الموحدة عبر القصيدة ووحدة حرف الروي الذي تختتم به القصيدة ووحدة بحر القصيدة ولا يخرج عن البحور الخليلية.


قصيدة شعرية لمحمود سامي البارودي التي عارض بها الشريف الرضي الذي قال قديما:


لغير العلا مني القلا والتجنب

ولولا العلا ما كنت في الحب أرغب

إذا الله لم يعذرك فيما ترومه

فما الناس إلا عاذل ومؤنب

ملكت بحلمي فرصة ما استرقها

من الدهر مفتول الذراعين أغلب

فإن تك سني ما تطاول باعها

فلي من وراء المجد قلب مدرب

فحسبي أني في الأعادي مبغض

وإني إلى غر المعالي محبب

وللحلم أوقات وللجهل مثلها

ولكن اوقاتي إلى الحلم أقرب

يصول علي الجاهلون وأعتلي

ويعجم في القائلون وأعرب

يرون احتمالي غصة ويزيدهم

لواعج ضغن إنني لست أغضب


فعارض البارودي في العصر الحديث وعارض هذه القصيدة قائلا:


سواي بتحنان الأغاريد يطرب

وغيري باللذات يلهو ويعجب

وما أنا ممن تأسر الخمر لبه

ويملك سمعيه اليراع المثقب

ولكن أخو هم إذا ما ترجحت

به سورة نحو العلا راح يدأب

نفى النوم عن عينيه نفس أبية

لها بين أطراف الأسنة مطلب

بعيد مناط الهم فالغرب مشرق

إذا ما رمى عينيه والشرق مغرب

له غدوات يتبع الوحش ظلها

وتغدو على آثارها الطير تنعب

ومن تكن العلياء همة نفسه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها

فلا عزني خال ولا ضمني أب

خلقت عيوفا، لا أرى لابن حرة

لدي يدا أغضي لها حين يغضب


     ويبدو إن القصيدتين متشابهتين من حيث اللغة والألفاظ والمعاني والبحر والميزان الصرفي، فهما تشتركان في البحر الواحد؛ فالبارودي متأثر بالشاعر القديم الشريف الرضي، ومعجب بمعانيه، وهذا ما جعله ينظم هذه القصيدة الجميلة. وكل منهما معجب بنفسه معتد بها، كما إن القصيدتين تقدم بعض الحكم، ولا تخلو من الوصف والمبالغة.

نموذج من معارضات الأمير عبد القادر

نجد للأمير عبد القادر نصيبا وافرا من الشعر، وهو يتاثر بالشعراء القدامى ويحاكيهم في المعاني والأغراض الشعرية، ومن أمثلة ذلك قوله:


تسائلني  أم البنين  وإنها **** لأعلم من تحت السماء بأحوالي

ألم تعلمي يا ربة الخدر بأنني ****  أجلي هموم القوم في يوم تجوالي

وأغشى مضيق الموت لا متهيبا **** وأحمي نساء الحي في يوم تهوالي


فالأمير عبد القادر يبدو متأثرا بالشاعر العربي عنترة بن شداد؛ لأن كلا منهما يوجه الخطاب لمحبوبته. ويفخر كل منهما بنفسه، ويبرز بطولته وقوته وسطوته، إلا إن الأمير عبد القادر يتفوق على عنترة بن شداد من حيث مبالغته في الدفاع عن قومه وحتى نساء الحي تحتمي به، بل جيشه يحتمي به، وهذا لم يكن لدى عنتة بن شداد. الذي قال:


هلا سألت الخيل يا ابنت مالك **** إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

يخبرك من شهد الوقائع إنني **** أغشى الوغى وأعفو عن المغنم


ونجد الأمير عبد القادر يعارض الشاعر العربي عمرو بن كلثوم الذي قال في معلقته المشهورة:


بأنا نورد الرايات بيضا **** ونصدرهن حمرا قد روينا


فعارضه الأمير عبد القادر قائلا:


وأورد رايات الطعان صحيحة **** وأصدرها بالرمي تمثال غربال


أوجه الشبه بين شعر الأحيائيين والشعراء القدامى:

ــ المعاني

ــ الألفاظ والعبارات

ــ الخيال والصور البيانية (استعارات، كنايات، تشابيه مختلفة)

ــ المواضيع والأغراض : الوصف، الفخر، الغزل، الرثاء

ــ الشكل العمودي

ــ الإيقاع وحروف الروي والقافية

ــ اللغة القديمة التي تحتاج لشرح بعض ألفاظها

ــ بحور الشعر الخليلية الواحدة في كل قصيدة

ــ الوحدة الموضوعية في كامل القصيدة.

 

تعليقات