القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر المواضيع

نشأة اللغة بين النظرية الوضعية الاصطلاحية والنظرية التوقيفية



نشأة اللغة

بين النظرية الوضعية الاصطلاحية والنظرية التوقيفية



نشأة اللغة

انقسم العلماء منذ القدم في نشأة اللغة، بين قائل إنّها ظاهرة طبيعية لا شأن للإنسان بوجودها، وقائل إنّها ظاهرة اجتماعية تتغيّر بتغيّر المجتمع والإنسان. وانقسم العلماء العرب إلى فريقين فقال بعضهم إنّها توقيفية، بمعنى أنّها منزلة من عند الله، وقال آخرون إنّها وضعية، أي من وضع الإنسان، صنعها لنفسه لتفي بمطالبه الاجتماعية. وانبرى كلّ فريق للدفاع عن رأيه بالأدلة والبراهين. واستمرّ الخلاف إلى العصر الحديث.

أدلة أنصار النظرية الوضعية

تناول ابن جني الخلاف بين الفريقين، في باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح، وانتصر لجماعته من المعتزلة فقالهذا موضع محوج إلى فضل تأمل؛ غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي (وتوقيف). إلاّ أن أبا عليّ رحمه الله،  قال لي يوما: هي من عند الله، واحتجّ بقوله سبحانه: « وعلم آدم الأسماء كلها ».[1] وهذا لا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها.، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة. فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به. وقد كان أبو عليّ رحمه الله أيضا قال به في بعض كلامه. وهذا أيضا رأي أبي الحسن »[2]

  تمسك ابن جني برأي المعتزلة فأوّل الآية الكريمة بما يخدم هذا التوجّه، وحوّل معناها من تعليم الله تعالى آدم الأسماء كلها إلى إعطائه القدرة على وضع الأسماء بنفسه. وبذلك خالف شيخه أبا علي الفارسي وأسقط الاستدلال بالآية.



اعتقد المعتزلة أن أصل اللغة تواضع واصطلاح بسبب ما شاهدوه « من اختراعات الصّناع لآلات صنائعهم من الأسماء: كالنجّار، والصائغ والحائك، والبناء، وكذلك الملاّح. قالوا: ولكن لابد لأولها من أن يكون متواضعا بالمشاهدة والإيماء ».[3]

ثم إنّهم لم يستسيغوا أن تكون المواضعة من الله تعالى.، لأن المواضعة في اعتقادهم لابد لها من الإيماء والإشارة بالجارحة، ولا يجوز أن يوصف الله بأنه يواضع أحدا من عباده على شيء،  فيشير بالجارحة كما يشير الإنسان.

ونقول إن الله قد خاطب آدم عليه السلام بالإشارة في قوله تعالىوقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين».[4]ولا نقول إنّه أشار إليه بالجارحة. والله قد كلّم موسى عليه السلام تكليما، ولا نقول إنه كلّمه بالجارحة.،  لأن الله سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء،  ولا يعجزه شيء، فيخاطب عباده بما يشاء ومتى شاء.  

رسخ في أذهان أعضاء هذا الفريق من العلماء أن أصل اللغة تواضع واصطلاح وراحوا يبحثون عن الأدلة التي تقوّي اعتقادهم وتدعّم أركانه فقالوا: « وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات،  فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا،  إذا ذكر عرف به ما مسماه، ليمتاز من غيره »[5]

ومن أدلتهم في هذا المقام أيضا ما ذكره ابن جني في خصائصه قالوذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدويّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء و شحيج الحمار، ونعيق الغراب،  وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح ، ومذهب متقبّل »[6]

تقليد الإنسان للأصوات المسموعة في الطبيعة أمرٌ لا تقبله الفطرة السليمة. وقد رفضه بعض العلماء الغربيين في العصر الحديث واعتبروه مجرد افتراضات منسوجة من الخيال. قال اللغوي الإيطالي الأصل الإنجليزي اللغة الأستاذ ماريو باي Mario Pei « لا أحد يعرف متى أو أين أو على أي صورة ابتدأ الكلام الإنساني، على الرغم من وجود افتراضات كثيرة في الموضوعويصف بعضها بقوله: « بعض هذه الافتراضات مشوبة بالخيال إن لم تكن محض خيال. فما يسمى بنظرية  bow-wow  مثلا يفترض أن اللغة نشأت أولا محاكاة لأصوات سمعت في الطبيعة(نباح كلب حوكي كـ bow-wow وسقوط شجرة حوكي كـ Crash ). أما نظرية pooh  Pooh فتزعم أن اللغة ترجع إلى صرخات دهشة أو صيحات انفعال ، أو غيرها مما يعبر عن التأثر المفاجيء من ألم أو خوف أو فرح » [7]

وقد اعترف اللغوي الفرنسي جوزيف فندريس Joseph Vendryes من قبل هذا باستحالة معرفة الصورة التي ابتدأ بها الكلام، ولكنه أرجع نشأة اللغة إلى الظروف النفسية والاجتماعية وتطور دماغ الإنسان فقال في مجموعة أقوال منها قوله: « لقد نشأ الكلام بالتدريج مسايرا لتطور دماغ الإنسان ولتكوّن الجماعة،  فمن المستحيل أن نقول في أي صورة بدأ الكائن الإنساني يتكلم،  لكن من الممكن أن نحاول تحديد الظروف التي سمحت للإنسان بأن يتكلم: وهي ظروف نفسية واجتماعية في نفس الوقت[8]


وقولهلم تولد اللغة كحدث اجتماعي إلا يوم أن وصل المخ الإنساني إلى درجة من النمو تسمح له باستعمالها[9]

وقولهعند هذا السلف البعيد الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء ينظم بوزنه حركة المشي أو العمل اليدوي أو صيحة كصيحة الحيوان تعبر عن الألم أو الفرح وتكشف عن خوف أو رغبة في الغذاء.... ولابد أن اللغة، قبل أن تكون وسيلة للتفكير، كانت في الواقع وسيلة للفعل وواحدة من أنجع الوسائل التي مُكن منها الإنسان. وما إن استيقظ في ذهن الإنسان شعوره بالعلامة حتى راح يوسع من شأن هذا الاختراع العجيب.، وكان تقدم الجهاز الصوتي يسير بنفس الخطى مع تقدم المخ[10]

هذه الأقوال كلّها تجعل الإنسان غير مكتمل الدماغ، وبالتالي فهو غير قادر على التفكير. يتصرف بصفة انفعالية،  ويصيح كما يصيح الحيوان.،  لأن جهاز النطق عنده عاجز عن إنتاج الكلام. وبتطور دماغه ونضج جهاز نطقه أصبح قادرا على التفكير والكلام.

وقد علم الناس أن أول إنسان هو آدم أبو البشر، وكان عاقلا مكتمل الدماغ قادرا على التفكير والتمييز، وتكلّم قبل أن تتكوّن المجتمعات البشرية. ولو كان غير عاقل ما كلفه الله بحمل الأمانة وتبليغ الرسالة،  وما استطاع أن ينبئ الملائكة بأسماء المخلوقات التي تعلّمها، وما عرف الممنوع والمباح وهو في الجنة

وبعد سنوات طويلة من النقاش في موضوع نشأة اللغة أدرك الأوروبيون أن ما ذهبوا إليه من آراء لا أساس له من الصحة ولا يعبر عن النشأة الأولى للكلام، فقررت الأكاديمية اللغوية في باريس منع الخوض في موضوع نشأة اللغة وأغلقت باب النقاش فيه إلى الأبد، وعبر عن ذلك القرار فندريس في قولهيثير الإنسان دائما دهشة السامع كلما قال بأن مسألة أصل الكلام ليست من مسائل علم اللغة. ومع ذلك فليس هذا القول إلا الحقيقة بعينها»[11]

أدلة أنصار النظرية التوقيفية

قال أحمد بن فارس في « باب القول على لغة العرب أتوقيف، أم اصطلاح: أقول: إن لغة العرب توقيف. ودليل ذلك قوله جلّ ثناؤه: « وعلّم آدم الأسماء كلها »[12] ...»[13]

يفهم من قول ابن فارس أنه كان يعتقد أن لغة آدم عليه السلام كانت اللغة العربية، وأن هذه اللغة استمرت إلى أن نزل بها القرآن الكريم. ثم يستدرك قائلاولعلّ ظانا يظنّ أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد. وليس الأمر كذا، بل وقّف الله جلّ وعزّ آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه،  وانتشر من ذلك ما شاء الله، ثمّ علّم بعد آدم عليه السلام من عرب الأنبياء صلوات الله عليهم نبيا نبيا ما شاء أن يعلمه،  حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم،  فآتاه الله جلّ وعزّ من ذلك ما لم يؤته أحدا قبله،  تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة. ثم قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت[14]

وكان ابن جني يعتقد هو الآخر أن الـلـغة الـــعربية توقيفية ويعلل ذلك بقولهإذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة،  والإرهاف، والرقة، ما يملك عليّ جانب الفكر، حتّى يكاد يطمح به أمام غَلْوِة السحر... فقوي في نفسي اعتقاد كونها توفيقا من الله سبحانه، وأنّها وحي »[15]

وأحيانا يقف موقف الحائر لا يدري أهي توقيفية أم اصطلاحية فيقولوإن خطر خاطر فيما بعد، يعلّق الكف بإحدى الجهتين، ويكفها عن صاحبتها، قلنا به، وبالله التوفيق »15

نعتقد أن اللغة التوقيفية التي أشارت إليها الآية الكريمة هي لغة آدم، وتتكون  من كل الأسماء التي علّمها الله آدم، وتتعلق هذه الأسماء بكل المخلوقات التي خلقها الله والتي مازالت موجودة إلى يومنا هذا. قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة في عدة روايات عنه: علّمه أسماء ولده إنسانا إنسانا والدواب فقيل هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس. وقال في رواية أخرى: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودواب وسماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وقال في رواية ثالثة: علمه اسم الصحفة والقدر[16]

وقد توصل بعض العلماء الغربيين عن طريق التفكير الفلسفي إلى أن نشأة اللغة توقيفية،  منهم غليوم دي همبولدت  Guillaume de Humboldt  (1767- 1835م) الذي قال عنه جورج مونين « هو واثق من قدرته على بلوغ النشأة الأولى ، لا عن طريق البراهين اللغوية بل بواسطة الفرضيات الميتافيزيائية. فهو يردد بأن اللغة هبة ثمينة، أو هي ضرب من الملكية الفطرية، خاصة بالفكر الإنساني، أو هي أمر داخلي أو قوة داخلية، يتعذر سبر أغوارها وهذا هو معنى عبارته: « إن الإنسان واللغة قد خلقا معا » [17]

ومن الغربيين الذين قالوا بأن نشأة اللغة توقيفية أيضا المفكر الفرنسي دي بونالد، وملخص نظريته هو كالتالي:

« اللغة هي الفكر نفسه،  وليست شيئا آخر غيره. اللغة ليست مجموعة كلمات ترمز إلى أفكار، بل الكلمات هي الأفكار نفسها. إذا قلنا: نحن نفكر فكأننا قلنا: نحن نلغو. ولو أن كائنا سلب اللغة لسلب القدرة على التفكير أيضا. وبناء على هذا يستحيل أن يكون الإنسان خالقا للغة. لسبب بسيط، هو أنه لكي يخلق الإنسان اللغة يجب أن يكون لديه فكرة واضحة عنها،  فلا يعقل أن يخلق خالق شيئا لا يملك عنه أية فكرة، ولكي توجد هذه الفكرة عن اللغة عند الإنسان يجب أن يكون مفكرا أي أن يكون لاغيا،  ومعنى هذا أنه لكي يخلق الإنسان اللغة يجب أن يكون مالكا للغة، وبعبارة أخرى:إن وجود اللغة شرط لخلق اللغة. أو إن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها. ولما كان هذا مستحيلا على الإنسان فقد وجب أن تكون اللغة هبة من لدن الله »[18]

إذا قلنا إنّ لغة آدم توقيفية، فكيف نشأت اللغات المختلفة؟ روى ابن جني عن أبي الحسن الأخفش أنه فسّر الآية السابقة بقولهإن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات،  بجميع اللغات: العربية، والفارسية، والسريانية والعبرانية، والرومية، وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثم إنّ ولده تفرّقوا في الدنيا، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات،  فغلبت عليه، واضمحلّ عنه ما سواها،  لبعد عهدهم بها »[19]

والأرجح في اعتقادنا أن الله علم آدم لغة واحدة، كانت هي النواة الأولى لكل لغات البشر،  ولما احتاج أبناؤه إلى الزيادة زادوا عليها.و أشار إلى هذا   أبو الحسن الأخفش نفسه وهو يتحدث عن لغة العرب فقال: « لابد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها،  ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه،  لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئا فشيئا،  إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه، وتأليفه، وإعرابه المبين عن معانيه، لا يخالف الثاني الأول،  ولا الثالث الثاني، كذلك متّصلا متتابعا[20]

ويؤكد هذه الفكرة أحمد أمين بقولهفلم تخلق اللغة دفعة واحدة،  ولم يأخذ ها الخلف عن السلف كاملة،  إنما يَخْلق الناس في أول أمرهم ألفاظا على قدر حاجتهم،  فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظا جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها،  وهكذا اللغة في حياة وموت مستمرين[21]

ونقول في الأخير إن لغة آدم هي أم اللغات، نشأتها توقيفية وتطورها وضعي اصطلاحي.




[1] - البقرة الآية 31

[2] - ابن جني، الخصائص تحقيق محمد علي النجار،  ط 2، دار الهدى للطباعة والنشر،  بيروت لبنان ج 1 ص 40-41